تكتسب الزيارة التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني لهلسنكي يوم امس اهمية اضافية إن لجهة التوقيت الذي لم يكن صدفة والذي اخذ طابع الاستعجال في وقت تتسارع فيه الخطى والمناقشات لبلورة مشروع قرار متوازن يصدر عن مجلس الأمن يقضي اولا بوقف فوري لاطلاق النار ويضع حدا لعذابات ومعاناة ومآسي الشعب اللبناني الشقيق الذي يتعرض لمذبحة اسرائيلية مفتوحة وعدوان غاشم يتحدى الشرعية الدولية والقانون الدولي واتفاقية جنيف، ام لجهة الموضوعات التي ناقشها جلالته مع الرئيسة الفنلندية تاريا هالونين التي ترأس بلادها الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي حيث تناول جدول اعمال المباحثات الاردنية الفنلندية الدور الاوروبي في وضع حد للحرب الهمجية الاسرائيلية على لبنان اضافة الى عملية السلام في الشرق الاوسط وجوهر الصراع الفلسطيني الاسرائيلي كذلك المسألة العراقية والعلاقات الاردنية الاوروبية.

من هنا يمكن التوقف مليا عند طبيعة ومغازي المهمة النبيلة والعظيمة والمبادرة التي اخذها جلالة الملك على عاتقه منذ اليوم الاول لاندلاع هذه الحرب البربرية التي تشن على لبنان الشقيق الوطن والدولة والشعب والتي ادانها جلالته ودعا الى وقفها وأعاد تذكير المجتمع الدولي بضرورة النهوض بمسؤولياته السياسية والاخلاقية والحضارية والقانونية وعدم السماح لاسرائيل بالاستمرار في عربدتها وتحدي المجتمع الدولي وتعريض امن المنطقة واستقرارها للمخاطر والارتهان للفوضى والمجهول ..

وجاءت دعوة جلالته الاتحاد الاوروبي لأن يلعب دورا ايجابيا لوضع نهاية للحرب الاسرائيلية على لبنان لتؤكد في جملة ما تؤكد على مدى الجهد الذي يبذله جلالته والدبلوماسية الاردنية النشطة والفاعلة وصاحبة الصدقية والاحترام في المجتمع الدولي وصولا الى حماية مصالح الشعب اللبناني وتجنيب المنطقة المزيد من المآسي والمعاناة ولتوفير الدعم للحكومة والشعب اللبناني لاستعادة الأمن والاستقرار في اسرع وقت ممكن.

جلالة الملك في هلسنكي اعاد تذكير الاتحاد الاوروبي بأهمية الحاجة الى دفع عملية السلام في الشرق الاوسط بعد ان تصمت المدافع وضرورة اعادة الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي الى طاولة المفاوضات وبما يفضي الى تكريس تعايش مشترك في المستقبل بين الشعبين.

واذ يعي جلالته بعمق ويحث الاتحاد الاوروبي على الالتفات بجدية الى اهمية اعادة تنشيط عملية السلام لحل القضية الفلسطينية التي تشكل جوهر الصراع في المنطقة محذرا في الآن نفسه من ان عدم تحقيق ذلك يعني ان مستقبل الشرق الاوسط سيكون مظلما، فان جلالة الملك يرى اهمية فائقة للدور الاوروبي في اتجاه استئناف عملية الحوار بين طرفي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وان تعاونا عربيا اوروبيا واردنيا اوروبيا سيفضي بالتأكيد الى مستقبل اكثر اشراقا لكل شعوب المنطقة وترك الماضي الدموي والعنيف والمأساوي خلف الجميع.

ولعل العبارة اللافتة والبليغة التي قالها جلالته خلال التصريحات المشتركة مع الرئيسة الفنلندية تلخص في وضوح فهم الاردن لما يجري في عالمنا وخصوصا في منطقتنا على شكل مترابط ومتداخل بين قضاياها «نحن كجزء من المجتمع الدولي بحاجة الى التكلم بصوت واحد ازاء التحديات التي نواجهها اليوم» قال الملك.

لم تغب الاوضاع في العراق عن جدول المباحثات الاردنية الفنلندية وبخاصة ان جلالة الملك وفي اطار التحرك الاردني الواسع الرامي الى عدم السماح بتهميش الدور العربي في المنطقة يؤكد باستمرار على اهمية توفير الدعم للحكومة العراقية والأمل في ان يستعيد العراق أمنه واستقراره بأسرع وقت ممكن.

قصارى القول ان زيارة جلالة الملك لهلسنكي قد شكلت محطة مهمة في الحراك السياسي والدبلوماسي الاردني لايجاد مناخات ضاغطة باتجاه استصدار قرار سريع من مجلس الامن الدولي بوقف فوري لاطلاق النار ووضع حد لهذا العدوان الغاشم الذي تشنه اسرائيل على لبنان وفي الآن ذاته سمحت بتوثيق العلاقات الثنائية الجيدة بين الاردن والاتحاد الاوروبي والتي تشكل اتفاقية الشراكة بينهما احدى الدلائل الملموسة والعملية على متانة هذه العلاقات وتوفر الامكانات لتعزيزها في مختلف المجالات كالاصلاحات السياسية وحقوق الانسان والديمقراطية والاصلاحات الاقتصادية والتشريعية بالاضافة الى تعميق التعاون الثقافي دون ان نهمل دور بلدنا الفاعل في عملية برشلونة بما هي التزام بالاصلاح والتحرر الاقتصادي والاستخدام الفاعل للمخصصات والمساعدات المالية التي يقدمها الاتحاد الاوروبي للاردن وهي ترجمة عملية للنهج الذي يقوده جلالة الملك في هذا الاتجاه.