في هذه الظروف العربية المثقلة بالأمراض والعاهات والأنانيات والاصطفافات، ووسط هذا التسلط الأميركي على مجريات القرار الدولي، من المفترض ألاّ تكون هناك أوهام بأن مجلس الأمن الدولي سيجلب إلى المنطقة العربية الأمن والاستقرار، وسيوقف العدوان الاسرائيلي المبيّت والمخطط له منذ سنوات على لبنان.

هذا الوضع غير الطبيعي في مجلس الأمن تجاه العدوان على لبنان هو في الواقع نتاج وضع عربي غير طبيعي أيضاً، فالعرب تراخوا بمحض إرادتهم، وقبلوا تسليم مفاتيح إدارة أمورهم إلى السيد الأميركي المبجّل، على الرغم من إدراكهم أن هذا السيد لا يرفض لعدوهم اللدود: «إسرائيل» طلباً، وأنه يدفعها ويجهزها ويغطي عليها لتكون شرطيه وجلاده في الديار العربية.. ‏

على هذه القاعدة العربية غير السليمة يفصّل مجلس الأمن الدولي الآن مشروع قرار يمكن أن يقضي على دولة عربية ثالثة بعد فلسطين والعراق، ويشرّع هذا المجلس كل ما يمكن أن تحتاجه «إسرائيل» في حربها الإبادية على لبنان. كل ذلك يحدث بقوة الهيمنة الأميركية عليه. ‏

تريد «إسرائيل» فترة إضافية لقتل المزيد من المدنيين اللبنانيين والإجهاز على جميع البنى التحتية اللبنانية... لا مانع لذلك لدى مجلس الأمن ... تريد فتح ثغرات لها في الجنوب اللبناني واعطاءها إذناً مسبقاً بمواصلة الحرب على لبنان حيثما وأنى أرادت... لا مانع كذلك لدى مجلس الأمن... تريد عدم المساواة بين الاسرائيليين واللبنانيين.. لا مانع كذلك وقد قالها سيىء الذكر جون بولتون بوضوح عندما أعلن أنه من الناحية الأخلاقية لا تجوز المساواة بين القتلى الاسرائيليين واللبنانيين!وهناك من يؤكد أن المجلس غير مستعد لتغيير أي كلمة في مشروع قراره لا توافق عليها «إسرائيل»، على الرغم من المحادثات التي أجراها الوفد العربي في دوائر الأمم المتحدة. ‏

في كل الأحوال فالشيء الثابت أن لهذه الحرب العدوانية الاسرائيلية ميزتان أساسيتان انعكستا بشكل مباشر على الوضع العربي العام، أولاهما: أن المقاومة الوطنية اللبنانية قلبت كل موازين القتال التي كانت سائدة على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وألحقت بالقوة العسكرية الإسرائيلية المتغطرسة هزيمة لم تكن تحسب لها حساباً، وأكدت أن الكلمة الفصل والأخيرة لن تكون إلا للمقاومين، وثانيتهما: أن العرب سيكونون ملزمين، بعد هذا الانتصار المقاوم، بمراجعة الكثير من حساباتهم، فالشارع يقترب من فرض إرادته على الأنظمة، والأجواء مهيأة لتغييرات ما في التعامل مع قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ‏

المقاومة اللبنانية أثبتت من جديد حضورها وقوتها وقدرتها على إنجاز الانتصار، فهل يواكب العرب هذا الإنجاز؟ ‏