بعد ان تسكت المدافع وتتوقف آلة القتل والدمار الإسرائيلية عن الدوران في لبنان، ستثور أسئلة لن تجد لها إجابات في القريب العاجل، فهي من النوع المراوغ، المركون دائما على أرفف «التسويف» بتواطؤ ضمني بين كل الأطراف، حتى الطرف الوحيد المجني عليه، في كل المحافل الدولية، وهو الطرف العربي الملتحف فقط بحقوقه المشروعة وواجب الدفاع عن السيادة الوطنية والاستقلال في زمن، أصبح فيه التفريط كلمة محذوفة من القاموس السياسي، بعد ان تبدلت المعاني، وصارت كل الخيانات وجهات نظر، لها من المنطق والوجاهة ما يجعل «المقاومة» فعلا جنونيا مغامرا، يستوجب الشجب والإدانة.
أول هذه الأسئلة التي نبتت على ارض الجنوب اللبناني «المقاوم» والذي جرع جيش الاحتلال الإسرائيلي كؤوس الذل، وجعل قادته ومؤرخيه يسترجعون درس حرب أكتوبر، هو هل لإسرائيل مستقبل في المنطقة ككيان عنصري غاصب، استيطاني، وهل بمقدور القوة العسكرية وحدها ضمان امن هذا الكيان؟ وهل مازال هناك وجود لقوة الردع العسكري الصهيوني؟
والحاصل أن كثيرين من المحللين والمراقبين وكبار القادة العسكريين الإسرائيليين السابقين لم يكتموا اعترافهم بالصدمة والذهول من مستوى الأداء القتالي لحزب الله، الذي ظل صامدا لمدة شهر في وجه أقوى جيش إقليمي من حيث مستوى التسليح والإعداد والإمداد، فضلا عن كونه الجيش الوحيد في العالم الذي يدير دولة، وليس العكس.
خلال أسابيع العدوان، فشلت آلة الدمار الإسرائيلية في إلحاق هزيمة ماحقة بحزب الله، بل منيت بخسائر لم تتكبدها في كل حروبها السابقة منذ اغتصاب فلسطين، ولأول مرة يقف الآلاف أمام السفارات الغربية طلبا للهجرة«المعاكسة»: بعد أن اكتشفوا زيف ارض الميعاد، التي تعرضت لضربات صاروخية في قلب وعمق فلسطين المحتلة عام 48.
فوق ذلك، بقيت آثار الدمار الذي لم يبق ولم يذر شيئا من بيوت الجنوب وجسور البقاع والشمال، وترك أكثر منشآت لبنان الحيوية ومصانعه مجرد أطلال، في حين ترسم صور الدبابات المحترقة والمدمرة وجثث الجنود القتلى والجرحى مشهد أول هزيمة عسكرية لإسرائيل على يد مقاومة شعبية وليس جيشا نظاميا، بما يبشر بمرحلة جديدة من الصراع بين العرب والصهاينة سيكون محورها ووقودها الحركات الشعبية وليس الدول والحكومات التي لم يعد لها حولا ولا قوة، وارتضت المشي بجوار حائط التبعية ومجاراة الأمر الواقع، جلبا للنفع ودرءا لخطر فقدان الكراسي.
إذن لن تحل عقدة أول أسئلة حرب لبنان الآن، وان بدأت إسرائيل مبكرا مراجعة قاسية لدروس فشلها، واعترفت بأنها تفقد قوة ردعها ، وتخطى البعض من مفكريها الحد ووضعوا على الطاولة مسألة مستقبل الكيان، بوضعيته الراهنة، وحرضوا على ضرورة التخلي عن أوهام التوسع وإسرائيل الكبرى.
ثاني أسئلة الجنوب،هل هناك بقية من أمل في الشرعية الدولية، أم أنها أصبحت مجرد غطاء دبلوماسي لشرعية التدخل الأجنبي وحصان طروادة لتحقيق مصالح الدول الكبرى،وخلافا لسابقه لن يبقى هذا السؤال مؤجلا لان إجابته حاضرة، مثل شمس أغسطس، لن ينكر وجودها حتى الأعمى لفرط حرارتها ولظى نارها.
فقط يكفي ان تقرأ مشروع القرار الفرنسي الأميركي لوقف الحرب، لتكتشف فورا أن مفرداته ومداده إسرائيلي صيغ بيد أميركية منحازة، وانه لا يزيد عن كونه «وصفة» لتمديد العدوان ومكافأة إسرائيل على جرائم حربها، فمن الجملة الأولى في ديباجته وحتى الكلمة الأخيرة لبنده الرابع عشر لن تجد أي ذكر لمطالبة إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان، او تحرير الأسرى اللبنانيين، او تعويض الشعب والحكومة اللبنانية عن نحو عشرة آلاف منزل دمرته إسرائيل و145 جسرا،
ولم ترد مفردة إدانة واحدة للمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال وبلغت من البشاعة ما يعيد للأذهان جرائم ومذابح عصابات«الهاجاناه والأرغون» الرحم التي أنجبت قادة إسرائيل، فقط يركز القرار على توجيه كل التهم المتاحة لحزب الله ولبنان، ويلزمه بما فشلت فيه آلة الدمار الصهيونية، أي إعادة الجنديين الأسيرين، «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت»،
حتى الانسحاب من مزارع شبعا لا ذكر له، بل هناك إلزام بإقامة منطقة منزوعة السلاح لضمان امن إسرائيل، أما امن لبنان فلا أهمية له. ولفهم لغز هذا الإصرار على إلحاق هزيمة سياسية بلبنان بعد أن فشل التدمير والإبادة في إذلاله، لا مفر من العودة إلى صفحات التاريخ القريب،بداية من «سايكس بيكو» مروراً بالقرار 1559 وما سيأتي بعده من شرق أوسط جديد.
وكلها مشاريع تقسيم نفوذ، وإقامة كيانات طائفية تكون ذريعة لبقاء الكيان الصهيوني في المنطقة، وهنا تكمن معضلة لبنان الذي يشكل لإسرائيل تحديا ونذيرا بزوالها، لأنه رغم تعقيد نسيجه العرقي والطائفي ليس دولة طائفية او دينية بل نموذجا على الانصهار والتعايش الوطني والتلاحم القومي العربي بين مسيحييه ومسلميه من سنة وشيعة، بما يعني فضح أكذوبة وجود إسرائيل التوراتية.
من هنا يبرز سؤال إجابته في رحم الغيب وهو: من التالي بعد لبنان، وعلى من ستدور دائرة العدوان، على مذبح الشرق الأوسط الجديد؟ وهو سؤال لا دخل للمنجمين وقراء كف القادة به، بل هو في قلب الواقع العربي المسكون بهموم المستقبل وتحديات الحاضر، وأي من سيكون التالي، فانه شأن لنا جميعا ولن يستثنى احد حتى المتنعمين بغطاء كهنة هذا الشرق الأوسط الجديد.