بينما كان الزمن يتقلص أمام المشاورات الدبلوماسية الدولية في أروقة مجلس الأمن، وصولاً إلي صيغة قرار مقبولة لأعضاء المجلس ولأطراف الصراع، وقابلة للتنفيذ على الأرض لمشروع القرار الأميركي الفرنسي المثير للجدل قبل عرضه على التصويت في نيويورك. تسارعت خطى الدبلوماسية العربية إلى بيروت لعقد دورة استثنائية لوزراء الخارجية لإعلان التضامن العربي مع لبنان في مواجهة العدوان الصهيوني الإسرائيلي بقرار أميركي، والمتواصل علي مدى نحو أربعة أسابيع بدعم أميركي مانع لأي قرار دولي بوقف العدوان.

واجتماع وزراء الخارجية العرب في إطار جامعة الدول العربية التي غاب تأثيرها الحاسم رغم الحضور الواعي والرأي الحازم لأمينها العام، يستدعي من جديد الاجتماع السابق لهؤلاء الوزراء في القاهرة، وما خرج به اجتماعهم من قرارات حول العدوان علي لبنان، كانت في رأي الشارع العربي رغم إيجابيتها النسبية أقل كثيراً عما هو ممكن وأدني كثيراً عما هو مطلوب.

وزاد من خيبة الأمل لدى الشعب العربي في قدرة النظام الرسمي العربي على اتخاذ مواقف جدية ترتفع إلى مستوى التحديات المصيرية التي تواجه الأمة العربية، والتي تتوالى فيها الهجمة العدوانية الاستعمارية الصهيونية وفق الأجندة الاميركية من فلسطين إلى العراق ومن سوريا إلى لبنان، ومن الصومال إلى السودان. . والبقية تأتي. ذلك التقاعس غير المبرر في الاستجابة للمساعي اليمنية المخلصة لعقد القمة العربية.

ومع تفهم أسباب ذلك التقاعس ومع عدم توقع النتائج المرضية من مثل هذه القمة فى حالة عقدها، خصوصاً في ظل أجواء التشكيك التي سبقتها، والشكوك التي رافقتها، وحملت توزيع الاتهامات والمسؤوليات على أطراف المقاومة العربية والإسلامية تخلصاً من أية التزامات أو مسؤوليات تطلبها تحديات الحرب العدوانية الأميركية القرار والإسرائيلية الدمار والعار، وذلك في ظل القيود والحدود المعروفة التي تكبل إرادة الفعل العربي الرسمي.

مثل هذا القرار العربي ملأه الحضور الإسلامي الذي تمثل في التحرك الماليزي النشط لعقد القمة الإسلامية، وفي التظاهرات الجماهيرية الشعبية الغاضبة والرافضة للعدوان، في العواصم الإسلامية والداعمة للمقاومة الوطنية والإسلامية في فلسطين ولبنان.

لقد مكن هذا الحضور الفعال المقاومة اللبنانية من الصمود الأسطوري ضد العدو الصهيوني بكل جبروت آلته العسكرية وتدميره العشوائي وهمجيته الوحشية، بل ومن القدرة علي ضرب العمق الإسرائيلي في مستعمراته ومدنه ومراكزه العسكرية بضربات رادعة صاروخية مؤلمة ومؤثرة أجبرت العدو على التعتيم الإعلامي الصارم لإخفاء خسائره العسكرية والبشرية والاقتصادية.

وعلى أية حال، فإن هذا الصمود الأسطوري لحزب الله اللبناني وحيد في مواجهة أقوى الجيوش العسكرية على مدى 25 يوماً، والذي مثل في حد ذاته نصراً للمقاومة وهزيمة للعدوان، الذي تصاعدت خسائره وانفضح فشله في ممارسة القتال العسكري، وتضاعف نجاحه فقط في ممارسة القتل الإجرامي، بما كشف عن إفلاسه الأخلاقي وعجزه العسكري وخصوصاً في المواجهات المباشرة مع رجال المقاومة البواسل.

وكان من نتائج استمرار العدوان الهمجي، وثبات الصمود الأسطوري والنجاح في القدرة على الرد والردع للغارات العدوانية بقذف المستعمرات الصهيونية أثره الكبير في تغيير الوضع العربي وذلك مع تحرك الشارع العربي وإعادة صياغة الخطاب الرسمي ليبدو أكثر وضوحاً وأقرب إلى الوجدان الشعبي، وبتقريب المواقف السياسية بين العواصم العربية، وإعطاء دفعة قوية للتحرك السياسي العربي، علي قاعدة غضب شعبي عارم وعزم جماهيري مقاوم، واتساع قاعدة التأييد لأداء حزب الله وبارتفاع الدعوات لإعلان المقاومة الشعبية وتفعيل المقاطعة الجماهيرية ضد العدوان الإسرائيلي والمشروع الأميركي المشبوه.

في الوقت الذي بدا فيه الرأي العام العالمي والشعوب المناهضة للحرب والمحبة للحرية والسلام، وهي تحاصر «بلير» في لندن، وتعارض سياسات «بوش» في واشنطن بل وتدعو لوقف الحرب الدموية في وجه «اولمرت» في تل أبيب ! في ظل هذه التغيرات الإيجابية العربية تتكثف المشاورات الدولية في مجلس الأمن لإصدار القرار الدولي الظالم الجديد الذي يمثل المرحلة الثانية من المؤامرة الدولية علي لبنان وسوريا بعد القرار الدولي الظالم القديم 1559.

بينما يتحرك وزراء الخارجية العرب في بيروت لإعلان التضامن العربي مع لبنان، مع الأمل في استخدام أوراق الضغط العربية ضد العواصم العدوانية، وإذا كنا نسالم من كنا نتوهم أنه يسالمنا فالواجب القومي يقتضي أيضاً أن نعادي من يعادينا.

mamdoh77t@hotmail.com