إن أسوأ ما يمكن تصوره في الحرب الإرهابية التي تشنها إسرائيل على لبنان منذ ما يقرب على شهر هو تلك التصريحات التي تحاول بل وتعمل على أن تساوي بين المعتدي «إسرائيل» والمعتدى عليه «لبنان» والشعب اللبناني الصامد. والأسوأ من ذلك هو أن يجتمع العرب في بيروت والمسلمون في ماليزيا ولا نسمع كلمة إشادة واحدة للمقاتلين اللبنانيين الذين استبسلوا وصمدوا وأفلحوا في قتالهم ضد الإسرائيليين المعتدين.

هل هؤلاء الأبطال الذين يدافعون عن لبنان أرضاً وشعباً ويدافعون عن الكرامة العربية التي لم نعد نعرفها إلا في أبيات الشعر ونشرات الأخبار اليومية وعن خير أمة أخرجت للناس لا يستحقون بعض كلمات الإشادة من باب رفع العتب ليس إلا؟!

لقد جاء مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي بما فيه من بنود واضحة وأخرى غامضة بهدف تحقيق ما فشلت في تحقيقه الحرب الإرهابية ضد لبنان وهو ضرب المقاومة اللبنانية وإخراج لبنان من دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي الأمر الذي عملت واشنطن وتل أبيب وباريس على تحقيقه عن طريق تطبيق القرار 1559 منذ أكثر من سنة ولم تنجح، وجاءت هذه الحرب المخطط لها مسبقاً، وإن اختلف التوقيت، لتحقيق ما لم يتم تحقيقه خلال عام كامل باستخدام القوة العسكرية الهائلة لسحق قوة حزب الله العسكرية وفشلت أيضاً.

والآن بدأت الحملة الدبلوماسية الأميركية لتحقيق الهدف الأساسي مستخدمة مجلس الأمن في الأمم المتحدة لاستصدار قرار دولي يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه ويضع لبنان تحت البند السابع الذي يجيز للقوات الدولية التي ستنتشر في لبنان، في حال تم تبني القرار، استخدام القوة العسكرية بغطاء دولي ضد لبنان أو ضد فئة معينة في لبنان تحديداً المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله.

إضافة إلى ذلك فمشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي المطروح في مجلس الأمن لم يطلب بوقف فوري لإطلاق النار ووقف الأعمال العدائية ولم يشر إلى ضرورة العودة الفورية للنازحين اللبنانيين إلى قراهم ولم يأت على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنان في مزارع شبعا كما لم يطالب بسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد الخط الأزرق وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين واكتفى فقط بالمطالبة بإطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين الأسيرين بدون شروط مسبقة.

إن الإدارة الأميركية تعمل جاهدة لاستصدار قرار دولي بخصوص لبنان يصب في مصلحة المعتدي الإسرائيلي على حساب المعتدى عليه اللبناني وسينجح في ذلك للأسباب التالية: أولاً: عدم وقوف الكثير من الدول العربية إلى جانب لبنان والمقاومة فور شن إسرائيل لحربها عليهما، من خلال اتخاذها موقفا واحدا ورادعا والاكتفاء بالاجتماع في جامعة الدول العربية

ورمي الكرة في ملعب مجلس الأمن مع العلم سلفا أن الولايات المتحدة التي أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لشن حربها على لبنان سوف تستصدر قرارا مفصلا على قياس إسرائيل، وقد أعطاها مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي الأخير «شرعية» حق الرد على أي عمل عدائي قد تتعرض له قبل التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، وكل «الحقوق» التي تطالب بها عن غير وجه حق بدلا من إدانة أعمالها العدائية والوحشية التي ارتكبتها في لبنان.

أما اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد يوم أمس ـ وان متأخراً ـ في لبنان والذي جاء داعماً لخطوات الحكومة ومهد لعقد قمة عربية ـ متأخرة أيضا ـ فهو يصب في حفظ ماء الوجه العربي تجاه لبنان.

ثانياً، عدم نجاح «مؤتمر روما» في التوصل لوقف فوري لإطلاق النار واقتصاره على التعاطف مع لبنان دون تبني «النقاط السبع» التي طالب بها الرئيس فؤاد السنيورة والتي تعرض اليوم من قبل بعثة لبنان الدائمة في مجلس الأمن على أمل أن يقوم المجلس بإجراء بعض التعديلات على مشروع القرار المقترح من ضمنها.

ثالثا: عدم تبني الحكومة منذ البدء لعملية المقاومة وعدم مطالبتها منذ البدء أيضا بان تعمل الولايات المتحدة ـ والتي يبدو أنها تقدم الدعم لها كلاميا فقط ـ في سبيل عدم توسع الأعمال العدائية الحربية لتشمل كل المناطق اللبنانية وكل البنى التحتية والمطارات والجسور وثكنات الجيش ومراكز القوة الدولية العاملة في الجنوب، وكأن إسرائيل قد أعلنت بذلك الحرب على «لبنان» من دون سابق إنذار وبعد فشلها في المواجهات البرية على الحدود تتكل على مجلس الأمن ليسجل لها انتصارا سياسياً يأتي على حساب لبنان.

وللخروج من المأزق الدبلوماسي الذي تطبخه واشنطن في مجلس الأمن ـ لاسيما وأن مجلس الأمن سوف يصدر قراره الجديد دون أخذ التعديلات اللبنانية أو بعضاً منها بعين الاعتبار ـ أن تتبنى الدول العربية موقفاً موحداً ـ لاسيما الدول الكبرى التي أيقنت حجم الخطر المحدق بلبنان والمنطقة.

إنه الموقف الذي سيرفض أي قرار دولي لا يصب في مصلحة لبنان الوطنية والقومية وسيطالب بتحقيق دولي في كل المجازر التي ارتكبتها إسرائيل وسيطالب إسرائيل بدفع تعويضات عن كل الدمار المادي والبشري الذي سببته للبنان وشعب لبنان.

ولكن الأهم من كل هذا وذاك هو أن تعلن الدول العربية أنها ستدعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية حتى يتم تحرير كل الأراضي العربية المحتلة وعودة الأسرى العرب في السجون الإسرائيلية ووقف كل الإجراءات العدوانية الإسرائيلية. هذه المقاومة التي قامت وتقوم بدورها على أكمل وجه بالنيابة عن الجيوش العربية تستحق منا كل الدعم والحماية والرعاية. إن حماية المقاومة واجب وطني وقومي لأنها هي فقط التي تحمي المعتدى عليه ضد المعتدي في الساحات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

كاتب وباحث سياسي