عند الشدائد يُعرف الرجال. ونيران المحنة التي تشتعل في جسد لبنان أذابت أي شائبة كانت تحيط بمسار ومصير رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، فانجلى أمام الجميع معدنه النفيس، وبان للعالم برمته كرجل دولة مسؤول، يجمع بين الحزم والرفق،. وتبدى هذا التوازن النفسي والسياسي في كلمة السنيورة التاريخية التي استهل بها اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت،
إذ كان حاسم النبرة، قاطع الدلالة، حين تحدث عن الأعداء والخصوم والأطراف التي قد تطمع في أن يستمر لبنان ساحة مفتوحة أمام الصراعات الإقليمية والدولية، وكان ليناً هيناً عطوفاً وهو يروي بالدموع مأساة بلاده بفعل العدوان الإسرائيلي الغاشم، ليس عن ضعف وهوان على الناس وقلة حيلة ولا استجداء لأحد، لكنها دموع الأب والأخ والصديق لكل اللبنانيين، ودموع رب الأسرة الذي يخاف على أولاده وأحفاده من الموت والجوع والعري والتشرد.
لقد تحامل كثيرون على السنيورة وتعاملوا معه باستهانة، ولم يروا فيه سوى ظل باهت للشهيد الراحل رفيق الحريري، أو الرجل الذي بوسعه فقط أن ينفذ ما يقال له، بإخلاص وإتقان كاملين، أو يطيع ما يؤمر به. ورأى هؤلاء في إنكار السنيورة لذاته، وحرصه على أن يعمل في صمت، ويرضى بدور «الجندي المجهول»، ضعفا أو قلة طموح. ونسى هؤلاء أن السنيورة يحمل بين جوانحه، ومنذ زمن بعيد، ميولا فكرية وأيديولوجية وأحلاما عربية عريضة حين كان طالباً بالجامعة الأميركية في بيروت، وكان من أبرز الناشطين سياسياً وثقافياً خصوصاً في إطار النادي الثقافي العربي.
وانشغل السنيورة بأعمال الإدارة والمال والاقتصاد في وقت كان لبنان يعيد الإعمار، ويبني ما هدمته الحرب، فابتعد عن السياسة خطوة، وتصرف كتكنوقراطي محنك، ابتداء من عام 1977 الذي عين فيه رئيساً للجنة الرقابة على المصارف، لينتقل بعد ست سنوات إلى رئاسة بنك البحر المتوسط. فلما جاء الحريري إلى رئاسة الوزارة اختاره لحقيبة المالية، واستأمنه على أموال الإعمار والبناء، فأدى الأمانة،
وصان العهد، وتصرف في كل الأحوال تصرف رجل يسهم برضا واقتناع تامين في تمتين الدولة اللبنانية، ودفعها خطوات على طريق الاستقلال الثاني. أراد السنيورة أن يصل إلى هذا الاستقلال عبر نافذة الاقتصاد، فجاءته الفرصة من بوابة حرب ضروس. وكما كان يتصرف في المال بوطنية ونزاهة، تصرف في المعركة التي يخوضها لبنان بجسارة وشجاعة ووعي، فأسقط في يد كل من راهنوا على استكانته وقلة خبرته السياسية، أو مجاراته للسياسة الأميركية في لبنان، التي تساند تيار 14 مارس الذي ينتمي له السنيورة.
عند لحظة معنية، وعلى مفترق طرق بين الاستبسال والاستسهال، وبين الوطنية والخيانة، أو حتى بين الاهتمام واللامبالاة، اختار السنيورة طريق شعبه، شأنه شأن الرئيسين إميل لحود ونبيه بري، وانحاز إلى ما يحقق مصالح اللبنانيين، حتى لو غضب منه من كان يعتقد أنهم «الأصدقاء»، أو من راهن عليهم وراهنوا عليه. فكانت الطلقة الكاشفة عقب مذبحة قانا مباشرة،
حين هاتف وزيرة الخارجية الأميركية وطلب منها عدم الحضور إلى بيروت، حسبما كان مقررا، ثم أبدى تمسكه الشديد بالنقاط السبع التي طرحها بمؤتمر روما، بعد أن ظنت واشنطن أن الرجل يقدم عرضا لذر الرماد في عيون اللبنانيين، وأنه لن يستبسل في الدفاع عنه. لكنه واصل تمسكه بما يؤمن به ويحظى بإجماع شعبه إلى درجة رفض مشروع قرار من مجلس الأمن أعدته فرنسا صديقة لبنان التاريخية، وأميركا حليفة المجموعة السياسية التي ينتمي إليها السنيورة. وفعل الرجل هنا ما يميله عليه ضميره ووطنيته وما ينهض بواقع بلاده الأليم، وما لا يفسد صمود المقاومة المذهل، مستفيدا كذلك من حكمة وخبرة ورأي مستشاريه النابهين، وفي مقدمتهم المفكر المعروف الدكتور رضوان السيد.
هكذا فاجأ أداء السنيورة أعداءه قبل أصدقائه، والعالم الخارجي قبل أهل لبنان الصامدين الصابرين، وظهر الرجل في صورة أغاظت إسرائيل وأثارت حنقها، وهي التي كانت تعتقد في بداية الحرب أن رئيس الوزراء اللبناني سيقود حركة شعبية ورسمية ضد المقاومة، وسيتصرف، حتى دون أن يدري، في الاتجاه الذي يعيد لبنان إلى الحرب الأهلية، فتتخلص إسرائيل من حزب الله بأيدي اللبنانيين، أو تشغله بالجبهة الداخلية، فتتاح لها فرص عدة لتعيث في المنطقة فساداً وعدواناً، وتأخذ من لبنان كل شيء، سيادته وأرضه، وصورته الجذابة في أذهان العالم.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة