أكثر من هوة عربية يمارس فيها الموت على نحو همجي وجنوني.ربما يمكن تفهم الوضع في فلسطين ولبنان على أنه مواجهة مع قوة غاشمة تمارس القتل بطريقة الدعم المفتوح من قبل العالم سواء كان عن طريق العتب الخجول باستخدام مفردات ضبط النفس والرد المبالغ فيه، أو بطريقة الصمت الغريب.
لكن ما يحدث في العراق مدعاة للتشاؤم بشكل أكبر، ففي حين يمكن للنضال الفلسطيني واللبناني أن يكون له فائدة طال الزمان أم قصر ويثمر عن تحقيق طموحات وطنية ليس على المستوى المحلي فقط بل العربي كله، الا أن الوضع العراقي صادم وتشاؤمي.
فلا يمكن أن تقبل الانسانية على اختلاف تعريفاتها بما يحدث في هذا البلد العربي، لا يمكن أن يسمى مقاومة للاحتلال الانجلوأميركي على افتراض أنه يمكن تفهم عقليات المقاومة العراقية الداخلية وما يمكن أن يترتب على الممارسات وعدم الفهم من قبل العساكر الأميركيين الذين فيهم من يعيث بالقيم المحلية والانسانية مفترضا أن ذلك من ضمن ضرائب دخول الديمقراطية الى هذا البلد المنكوب بالقتل والموت اليومي.
نكبات يومية لا تتيح أي ضوء في آخر النفق العراقي، هذا النفق الذي يبحث عن فتيل نور منذ نحو ربع قرن، ولم يجد سوى فتائل للنار احترق بها البشر والشجر والحجر، وبدلا من أن نرى هذا البلد العربي قامة عملاقة على جبين الأمة العربية والاسلامية تحول الى ثكنة موت حرمت المواطن العراقي من متعة أن يكون في بلد له مقدرات بشرية وثقافية واقتصادية تفوق الوصف.
لكن المسار الغريب أن تتحول الأمور الى حرب طائفية يقتل فيها المرء على الهوية، قبل مجىء الديمقراطية لم يكن هذا الفعل حاضرا لكن بمجرد أن هبطت الحرية الى هذا البلد مارس حرية القتل بدلا من حرية الفكر وحرية النهوض التي يمارسها الجميع لنهضة مستحقة.. يستحقها المواطن العراقي كثيرا بعد زمن المغامرات العسكرية.
أي مواطن عربي يشعر بالحزن لما يحدث في العراق، حتى تشتت النظرات، بين وضع في العراق وآخر في فلسطين ولبنان، ثلاث هوات نازفة، ليست للدم وحده، بل لمستقبل يتأخر أكثر فأكثر، يداس تحت آلة القتل العمياء.
يبحث العرب عن حلول لما يحدث..ويلتفت العالم أحيانا ليشاركهم النوايا، لكن النوايا الحسنة لا تثمر دائما..والدليل ما يحدث كل هذه السنوات، فالحلول الناقصة لا تنهي مهمة الموت السائر على تلك الأراضي عقودا.
لابد من حلول عادلة، حلول تفرق بين القاتل والضحية، تضع النقاط على الحروف، فكل مقتول لا يجد قاتله عقابا سيضع نقطة سوداء في ضمير العالم، ولن يسكت أقارب الضحية عن الأخذ بالثأر، والدم المهدور ظلما وعدوانا لن يكون طريقا للسلام الذي تنشده اسرائيل، بل سيرتد عليها، وعلى المنطقة ومصالح الدول الكبرى بوافر من الغضب ربما لن يفرق بين قاتل وبريء.
وربما هذا ليس تبريرا لصعود نجم الارهاب على الساحة الدولية لكنه قراءة لا بد منها لندرك أنه بمقدار ما تغيب العدالة، وبمقدار ما يكيل العالم المتحضر الدم بمكيالين مختلفين سينمو الارهاب أكثر فأكثر، وحينها لن يكون للتساؤل (لماذا يكرهوننا؟ معنى، لأن الاجابة بسؤال آخر وستكون: ما الذي فعلتموه لنحبكم؟.
وفي الشأن اللبناني يجتمع العالم ليناقش قرارا بوقف الحرب، والأهم هو النقاش الحيادي الذي يبحث في لب المشكلة، ليكون للسلام قيمة حقيقية على الأرض، فعندما يزول الاحتلال لن تبقى للمقاومة قيمة، ويفترض اندراجها في جهاد من نوع آخر، جهاد من أجل التعمير وبناء مستقبل تستحقه لبنان.. أرضا وشعبا.