أقر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بأن إسرائيل ارتكبت جريمة بحق الإنسانية حين قصفت بلدة قانا اللبنانية في 30 يوليو الماضي، وتسببت في قتل ما لا يقل عن 28 مدنيا بينهم 16 طفلا، معتبرا ذلك ميلاً لاختراق القانون الدولي .

لكن الأمين العام اكتفى بدعوة مجلس الأمن إلى تحقيق موسع في تلك الحادثة، رغم علمه بأن أعمال المجلس، وكذا مشاريع قراراته الخاصة بإسرائيل، دائما ما تتعثر، بفضل الفيتو الأمريكي.

لقد كان من الواجب على الأمين العام أن يعزل تقريره، الذي اعتمد على شهادات حية ومعلومات موثقة، عن التفاعلات السياسية التي يعرف الجميع، بمن في ذلك عنان نفسه، أنها تسير وفق موازين قوى، تميل تماما لصالح الطرف المجرم.

على أمل أن يتحول هذا التقرير،حتى لو لم تنتج عنه ترتيبات قانونية ضد إسرائيل، إلى وثيقة تاريخية يمكن الاعتماد عليها في ظرف تاريخي آخر، أو في فضاء قضائي متحرر من السطوة الأميركية، للقصاص لدماء الضحايا الأبرياء.

وكان من الواجب على الأمين العام أيضا، أن يضمن تقريره الجديد، أجزاء عن المجازر الإسرائيلية التي تلت قانا، وخاصة مذبحتي القاع والغازية، باعتبارهما من الأدلة الفجة على أن إسرائيل تقوم بتلك الجرائم بطريقة ممنهجة.

تستدعي إحالتها إلى الجمعية العامة للمنظمة الدولية، بدلا من اكتفائه بإطلاق عبارات مطاطة مثل دعوة حزب الله وإسرائيل إلى احترام تعهداتهما حيال القانون الدولي ، ملمحا بذلك إلى قناعته بالمبررات التي ساقتها تل أبيب دفاعا عن جريمتها.

وعلى ما يبدو للمتابع، فإن عنان تأثر كثيرا، وهو يعد هذا التقرير بخبرة سلفه المصري بطرس غالي الذي أراد تسجيل موقف جاد في مواجهة جريمة إسرائيل في حق أبرياء قانا عام 1996، فقدم، رغم ما مورس عليه من ضغوط، تقريرا أدان إسرائيل بشكل صريح، وكانت النتيجة إبعاده عن منصبه.

ورغم أن عنان في وضع أفضل كثيرا من سلفه، كونه يقضي عامه الأخير في ولايته الثانية، ولا ينتظر التجديد، إلا أن الرجل آثر إمساك العصا من وسطها، وحاول، بطريقة دبلوماسية معتادة منه، ألا يغضب أحدا، فقد لام إسرائيل، ولام معها حزب الله، وترك الحكم النهائي، لطرف هو أصل الكارثة التي تحدث في لبنان، وقبلها فلسطين، والعراق.