صور الأشلاء التي كانوا يستخرجونها من تحت الأنقاض تجاوزت قدرتي على الصمود أمام شاشات التلفزيون فغيرت القنوات هارباً من واحدة إلى أخرى حتى أطفأت التلفزيون كلياً، أنا عاجز عن رؤية كل هذه الضحايا التي قبرت حية، عاجز عن رؤية الأطفال وهم يحملونهم بين أيديهم كالعصافير الجريحة، عاجز عن رؤية النساء والرجال والصراخ القاتل الذي يشق عنان السماء، باختصار فإني عاجز عن رؤية الألم البشري .

وقد وصل إلى حده الأقصى في قانا أو حتى في لبنان كله الذي تحول إلى قانا مضخمة، من شماله إلى جنوبه، بطوله وعرضه، فمن ذا الذي سيصور لوحة قانا المخضبة بالدم القاني، من هو القادر على التعبير عن الفجيعة اللبنانية والفلسطينية والعراقية في هذه اللحظة بالذات؟ أين هو الكاتب أو الرسام أو الشاعر القادر على تقديم عمل فني بحجم مجزرة قانا؟

كانت الحرب الأهلية الأسبانية قد اندلعت عام 1936 بعنف غير مسبوق. وقد شاركت فيها بشكل مباشر أو غير مباشر معظم دول أوروبا، وانقسم المثقفون آنذاك إلى قسمين: قسم مع فرانكو والفاشية الأسبانية من جهة، وقسم مع المعسكر الجمهوري التقدمي من جهة أخرى، وهرعت الفاشية الأوروبية لإنقاذ فرانكو من موسوليني في إيطاليا إلى هتلر في ألمانيا إلى سواهما هنا أو هناك.

وفي الأول من شهر مايو عام 1937، أي في عز فصل الربيع، خرجت الطائرات النازية من قواعدها الجوية في ألمانيا واتجهت صوب الجنوب، نحو اسبانيا. ثم حلقت قليلا فوق المدينة الأسبانية «غيرنيكا» قبل ان تلقي عليها قذائفها الصاروخية وقنابلها وتصب عليها نار جهنم.

ودام القصف أربع ساعات متواصلة حتى أذاب الصخر وحرق المدينة وما حولها بقطر يصل طوله أو عرضه إلى عشرة كيلومترات، واستفاق العام على هول المجزرة ولم يكد يصدق ما حصل، فقد قتل سكانها عن بكرة أبيهم، وذهب ضحية القصف المركز الكثيف الذي يشبه القصف الإسرائيلي على مدينة قانا ألف وستمئة قتيل، وكان هناك آلاف الجرحى وعشرات الآلاف ممن فقدوا مساكنهم كما يحصل الآن في جنوب لبنان، وهام الناس على وجوههم في الطرقات والدروب كالمجانين، وهكذا أدت الفاشية إلى محو مدينة بأكملها عن الخارطة.

فما كان من أندريه مامرو إلا أن انخرط مباشرة في صفوف الجمهوريين لمحاربة فرانكو والفاشية الأوروبية كلها من خلاله. ونتجت عن ذلك رواياته الكبيرة اللاحقة، وفعل مثقفون آخرون وشعراء عديدون الشيء نفسه، نذكر من بينهم الشاعر الكبير فريدريكو غارسيا لوركا الذي مزقه الفاشيون إرباً إرباً في غرناطة، عروس الأندلس، ثم رموه في حفرة كالكلب ومضوا.

أما بيكاسو فكان في فرنسا جسداً هذا في حين ان قلبه كان يخفق لأسبانيا الحرة لغيرنيكا القتيلة، وقد اتخذ موقفا مضاداً لفرانكو من أول لحظة وعبر عن تضامنه مع معسكر الجمهوريين، وعندما سمع بكارثة «غيرنيكا» جن جنونه فراح يسقط على الورق جام غضبه وكل ما يعتمل في داخله راح يرسم على لوحة عملاقة بطول ثمانية امتار وعرض ثلاثة أمتار ونصف المتر، كل مشاعره الدفينة أمام هذا الحدث المروع:

مسح مدينة بأسرها عن سطح الأرض بكل من فيها ومن عليها، وكان ان نتجت واحدة من أجمل اللوحات الفنية في القرن العشرين وأكثرها خلوداً، وهي لوحة مليئة بالأشلاء والقطع المبعثرة على غرار ما حصل في غيرنيكا وقانا وكل المدن التي دمرتها البربرية العسكرية.

وقال بيكاسو عندئذ هذه العبارات: ان حرب اسبانيا هي المعركة التي تخوضها الرجعية ضد الشعب وضد الحرية، وكل حياتي كفنان ما كانت إلا صراعا مستمراً ضد الرجعية وموت الفن، وفي اللوحة التي اشتغل عليها والتي سأدعوها «غيرنيكا» كما في جميع أعمالي الحالية أعربت بكل وضوح عن هلعي وتقززي من هذه الزمرة العسكرية التي أغرقت أسبانيا في بحر من الدماء والألم والموت.

أين هو الفنان اللبناني والعربي الذي يستطيع ان يرسم لوحة فنية تليق بقانا، ترتفع إلى مستوى قانا؟ وأين هو الشاعر الذي يستطيع ان يكتبها كقصيدة تبقى على جبين الدهر؟ وأين هو النص الذي يستطيع ان يرتفع إلى مستوى الفجيعة اللبنانية أو الفلسطينية في مثل هذه الظروف بالذات؟.

أعترف بأن الكتابة أصبحت عيباً أمام حدث فاجع كهذا. ربما كان الصمت، أو الخشوع، أو الانحناء أمام الذين سقطوا، الذين هبطت عليهم منازلهم وقبرتهم وهم أحياء هو وحده الموقف اللائق والشريف، من يستطيع ان يتخيل مقتل ثلاثين طفلة وطفلا دفعة واحدة مع أمهاتهم وعائلاتهم؟ وكيف ستبرر الفاشية العسكرية الإسرائيلية التي لا تقل وحشية عن فاشية فرانكو مثل هذا العمل؟ أين هم فلاسفة فرنسا الذين يدافعون عن إسرائيل بمناسبة وبدون مناسبة؟ لقد خمدت أصواتهم كليا الآن واختفوا من الساحة كليا.

لا أسمع صوت لوك فيري، ولا برنار هنري ليفي، ولا اندريه غلوكسمان، ولا آلان فنكيلكروت، ولا عشرات غيرهم ممن يدعمون إسرائيل بشكل غير مشروط، ربما كانوا مشغولين بكيفية محاكمة إدغار موران أوجيل ديلون لأنهما تعاطفا، مجرد تعاطف، مع الحق الفلسطيني، مع التراجيديا الفلسطينية.

ما جدوى الثقافة وما معناها إذا كانت سكوتا عن الحق وتأييداً للباطل والقوة الفاشية المسلحة؟ إنه لشرف لادغار موران وجيل ديلون وبيير فيدال الذي مات بالأمس وجان بول سارتر وعشرات غيرهم أنهم دافعوا عن حق الشعوب العربية وغير العربية في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال.

لم يعد الشعب اليهودي بقادر على اتهام الآخرين وتذكيرهم دون انقطاع بأنه الفضيحة الأولى أو الوحيدة في التاريخ، ما عاد ينفع التذكير حتى بالمحرقة النازية على الرغم من بشاعتها وهولها، وذلك لأن لبنان كله تحول إلى محرقة، وكذلك فلسطين، لقد فقد هذا الشعب الذي كان شاهداً على التاريخ كل رصيده الأخلاقي بسبب الأعمال الفتاكة والمجرمة لآلة الحرب الإسرائيلية، ونحن الليبراليين العرب الذين كنا نتمنى ان نفتح صفحة جديدة في المنطقة ونغلق الصفحة القديمة نجد أنفسنا محشورين في الزاوية بسبب دعم الغرب لإسرائيل وسكوته عن جرائمها.

إني أعرف أن قانا أحدثت صدمة في فرنسا ودفعت حتى بشيراك لإدانتها، وأعرف ان توني بلير متألم فعلا لما حصل ويريد ان يفعل شيئا، وهو يحاول الآن بكل قوته أن يضغط على بوش، فهل شكلت قانا منعطفا في تاريخ الصراع؟ وهل خسرت إسرائيل المعركة الأخلاقية والمعنوية داخل الرأي العام الأوروبي المستنير؟ هذا ما اعتقده وأرجوه. فتحية إلى تلك الضحايا البريئة، إلى تلك الدماء السخية التي سقطت في قانا وغير قانا.

كاتب سوري ــ باريس