صباح الخير يا محمد، صباح الخير يا مريم، صباح الخير يا امي.
وضع حسن يده على كتف اخته وسألها يا مريم لماذا لا تجيبين؟ اين امي؟ لماذا لا يطلع النور من النافذة؟ ما الذي يجعل الليل طويلا إلى هذا الحد؟ لماذا تصمتون جميعا؟
ردد الطفل اللبناني حسن شلهوب اسئلته مرات ومرات ولم يجبه احد، شعر بكثير من البرد كان البرد على اشده في جسد مريم.
في ذلك الصباح استيقظ حسن مثل أطفال العرب جميعاً، بين أخوته ورفاقه، لكنه وحده من بين أطفال العرب جميعاً، استيقظ في.. مشرحة!
لم يمت حسن، مع أنه كان يفترض أن يموت، أن يقتل مع 27 طفلاً آخراً تحت أنقاض منزلهم الذي دمره الجيش الإسرائيلي في قانا ممارساً هوايته المفضلة: قتل الأطفال.
سحبوه مع جثث أترابه الآخرين، ظنوا أنه شهيد صغير آخر ثم نقلوه ووضعوه معهم جميعاً في مشرحة مستشفى صور الحكومي.
كان حسن نائماً ومصاباً بكسر في الجمجمة، لم يصب منه مقتلاً، أمه أيضاً لم تمت، قضت الليل وهي تحاول سحب زوجها وابنتها من تحت الركام، صرخت وانتحبت وحيدة طوال الليل وطلع عليها الفجر وهي غارقة في دماء عائلتها.
جاءوا بها في الصباح إلى مشرحة المستشفى لتتعرف على أفراد عائلتها، كانت منهارة، بالكاد استطاعت الوقوف على رجليها المخضبتين بالجروح جراء سقوط جزء من الحائط عليها، كانت تئن جريحة تبحث عن أجساد أولادها.
فتحوا الباب فشاهدت ابنتها مريم، صرخت قومي يا ابنتي، ضمتها إلى صدرها، لكن مريم لم تتحرك. التفتت فرأت حسن، هذا وجهه ينام كالملاك، هبت إليه، ضمته ففتح عينيه وتكلم! لماذا لم تأت لتأخذيني من قبل؟ استيقظت مرات عدة وناديتك؟ أين كنت؟ مريم لا تجيبني، قولي لها أنني سأعيد لها لعبتها، لا أريدها أن تزعل مني.
وقف حسن على رجليه، خرج من المشرحة وأمسك برداء أمه يبحث عن الدفء.
هذه واقعة من وقائع مآسي الشعب اللبناني وآلامه بسبب العدوان الإسرائيلي البربري الهمجي، واقعة من جرحه اليومي الذي وجد في دولة الإمارات العربية المتحدة دفئاً كان بأمس الحاجة إليه تماماً مثل ما كان الشهيد الحي، الطفل حسن شلهوب بحاجة إلى دفء أمه.
في الليل اللبناني الطويل، في الليل القاتل والقاسي والموحش، جاء موقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، قاطعاً كالسيف المسلول من أجل حماية أطفال لبنان، من أجل نصرة الأمهات الثكالى والآباء المفجوعين، من أجل دعم الوطن المقطّع الأوصال الذي تقتله إسرائيل بدم بارد تحت أعين العالم أجمع.
قال وفعل، بل فعل قبل أن يقول. قال إن الاستنكار لا يكفي، دعا إلى القيام بفعل إيجابي سريع لوقف الحرب الظالمة أولاً وقبل كل شيء ومن دون أية شروط، ومن ثم إتاحة المجال للمفاوضات السياسية بعد أن تسكت المدافع وتصمت الطائرات.
حذر من أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمر ومن أن إصرارها الشديد على تصعيد الموقف العسكري إلى هذه الدرجة ينذر بعواقب وخيمة، ليس على المنطقة العربية وحدها وإنما على الصعيد العالمي بأجمعه. لقد أثبت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مرة جديدة أنه أخ كبير للبنانيين ينصرهم في شدتهم ويؤازرهم في محنتهم.
تكلّم سموه حين عز الكلام عند الكثيرين وفعل قبل أن يفكر أحد بالقيام بأي بادرة.
من قال إن زمن النخوة العربية قد ولّى؟
إن اللبنانيين لن ينسوا لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ولقيادة دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها هذا الموقف الشهم والنبيل الذي تمثل أولاً بمعاملة اللبنانيين الذين كانوا يريدون مغادرة لبنان على قاعدة المساواة التامة مع المواطنين الإماراتيين، مما سهّل انتقال الآلاف منهم عبر سوريا إلى الإمارات.
ولن ينسوا تضامن الشعب الإماراتي، العربي حتى الصميم، مع اخوته اللبنانيين في مختلف حملات التبرعات الكبيرة بالأموال والمواد الغذائية والعينية، هذه الحملات التي لم تنقطع حتى الآن والتي تولت دولة الإمارات إيصالها بالبر والجو، خارقة الحصار الإسرائيلي ومعرضة أطقمها لنيران العدوان، لاسيما أثناء إيصال سيارات الإسعاف الــ 24 التي وجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ بإيصالها إلى لبنان في أول قافلة إغاثة وتموين وصلت إلى الوطن الجريح.
إن الجرحى اللبنانيين الذين نقلتهم طائرات سلاح الجو الإماراتي إلى أبوظبي هم أيضاً شهود على هذا الرابط التاريخي بين البلدين الذي تعززه دولة الإمارات بأعمالها الأخوية النبيلة.
في الليلة الظلماء كانت الإمارات العربية المتحدة هي البدر. لكم علينا دين كبير يصعب إيفاؤه. لقد جعلتم ألمنا ألمكم وجرحنا جرحكم وصبرنا صبركم وصرختنا صرختكم.
لا نملك الآن سوى أن نقول لكم من أعماق القلب ومن داخل الجرح المشترك كلمة واحدة: شكراً، وعهدنا أن نكون دوماً أهل الوفاء لكم، الوفاء لشيمكم العربية الأصيلة.
إعلامي لبناني