لا شك ان الحرب الاسرائيلية العدوانية ضد لبنان، تعلمنا جملة من الدروس المهمة التي ينبغي ان نقف عندها وقفة مطّولة كي ندرك معانيها ونفهم أبعادها ونتوقع مراميها، ولابد للعرب كلهم أن يدركوا ان مستقبلهم لا يمكن ان يصنعه لهم احد، بل يمكنهم ان يقررّوا هم أنفسهم مصيره، ولا يمكنهم صناعة كل من حاضرهم ومستقبلهم من دون الادراك المتبادل للتجارب التاريخية التي تتطور بحكم تنوعها وتباين اتجاهاتها.
ونتعّلم بأن أي قرار للحرب لابد ان يكون وطنيا جماعيا، ونتعلّم ان ما اقترفته اسرائيل من بشاعات طالت كل البنى الحيوية اللبنانية وما ارتكبته من مجازر في قانا والقاع وكل المدن والبلدات الحدودية قد ادانت إسرائيل، ولكن برغم كل الفجائع بقيت الامم المتحدة شبه صامتة ازاء لبنان حكومة وشعبا ومصيرا ! ولم تسع كما في بقية الازمات والحروب الى ان تجد لها حلا سريعا، نظرا لارتهان الارادة الدولية!
انها حرب غير نظامية تكاد تكون من اطول الحروب العربية ـ الاسرائيلية زمنا ولكنها حرب المفاجآت القاسية للجميع، واعتقد ان الذي تعلمتّه اسرائيل منها اكثر مما تعلّمه العرب عنها، انها حرب عنيدة قد اشعلتها اوهى الاسباب لتحقيق نتائج فاصلة وتدفع بقوة لقطار الشرق الاوسط الجديد الذي يبدو انه يتباطأ رويدا رويدا عن مهمته، وربما دخل انفاقا مظلمة لم يحسب لها أي حسابات استراتيجية..
لا استطيع ان اكتب احلاما أو اطلق احكاما أو أرسم أوهاما والحرب لم تنته بعد، ولكنني اجد ان هذه الحرب دخلت مرحلة جديدة بالنسبة للطرفين المتصارعين، ويبدو ان وقف اطلاق النار بات قريبا ولكن بعد مرور قرابة شهر على حرب غير متكافئة ابدا.
وهي حرب منحت العالم فرصة اخرى كي يعرف حجم بشاعة ما اقترفته اسرائيل واعطت الفرصة للعرب والمسلمين ان يدركوا حجم القوة التي يتمتع بها حزب الله ميدانيا على الارض وهو يقاتل ويصدّ التوغلات الاسرائيلية، وسواء اتفقنا ام اختلفنا مع حزب الله سياسيا وايديولوجيا، فان حركته على الارض الصعبة وفي احراشها وامتداداته في الوقوف امام الجيش الاسرائيلي قد اعطت الدرس لاسرائيل باعادة جدولة حساباتها العسكرية من جديد.
إن هذه الحرب الغاشمة التي نالت من لبنان ومن قصف بنيته التحتية ومن ضرب اقتصاده وتهجير سكانه قد أضرت ضررا شديدا بما كان قد تحقق في لبنان منذ البدء باعادة اعماره اثر الحرب الاهلية ،وستكون استحقاقاتها باهظة جدا، ولكن لم يخّيب مجتمع لبنان بكل ملله وطوائفه واطيافه املنا، اذ بقي بوحدته الوطنية ثابتا من دون أي انقسام او تفكك.
وسواء اختلف اللبنانيون ام اختلفوا حول الموقف من حزب الله، فان لحمتهم الوطنية قد اظهرت للعالم انعدام أي هدف كان يراهن عليه خصوم لبنان واعداؤه ومن أي طرف دولي او اقليمي خصوصا اذا ما علمنا بأن اللبنانيين قد تعلّموا كثيرا من تجاربهم الصعبة ابان الحرب الاهلية التي عاشوها، وكيف امتدت إسرائيل نحو بيروت في الماضي عسكريا ومخابراتيا !
وبالرغم من كل ما احدثته الحرب اليوم من شروخ وجروح وقروح، الا إنني اعتقد بأن اللبنانيين سيعيدون تفكيرهم السياسي وسيقلبّون اوراقهم السياسية في ما بينهم بعد ان تضع الحرب أوزارها، وسيبدأ فصل جديد من التحولات الداخلية، اما إسرائيل، فلقد اكتشفت أشياء جديدة لم تدركها سابقا ليس من خلال الاف الصواريخ التي تلقتها في الجليل الأعلى، الا انها بالتأكيد ستعيد النظر بكل حساباتها من جديد وبعد اكثر من خمسين سنة في صراعها مع العرب في حرب اكتشفت مواطن القوة والهشاشة فيها.
لقد أعطت صور الحرب الهمجية بقتل الابرياء والاطفال والناس العزل امثلة ساطعة على انعدام الرؤية لدى اسرائيل في تحصيل نتائج سريعة تحطّم من خلالها المجتمع وان اخفاقها في الحصول على ما تريد بأثمان سحق لبنان من دون ان تلتفت الى حجم التحولات اليوم في دور الاعلاميات المرئية التي لم تعد تخفي ما تصنعه إسرائيل، ولكن بالمقابل.
وبالرغم من الانقسام الحاصل في الموقف العربي في الاتفاق على اسباب اندلاع الحرب وجدواها، الا ان ثمة اتفاقا على نتائجها سلبا وإيجابا، اما العرب في تظاهراتهم الصاخبة، فاعتقد انها مجرد ظاهرة آنية لا يمكنها ان تصنع اية تحولات او تغييرات، ولكنها بالتأكيد أظهرت حجم ما كسبه السيد حسن نصر الله في الشارع العربي والإسلامي، ولكنه رهان لا يعّول عليه في الواقع !
لقد علمتنا الحرب بأن اندلاعها واستمرارها هو جزء من اعادة ترتيب اوراق ما يخص الصراع الاقليمي على ارض لبنان، وان ذلك الصراع هو جزء لا يتجزأ من مشروع الشرق الاوسط الجديد، وإننا أمام مواجهة نتائج وازاء مرحلة صعبة تفتقد فيها كل ما تحقق من الاجماع الوطني وقوة الارادة على حساب بقاء لبنان وحده بعد انفراط عقد الحماس وموجات العواطف، واعتقد ان مرحلة استحقاقات ومحاسبات سياسية تالية ومن ثم اللعب بأوراق سياسية في الاقليم على حساب نتائج هذه الحرب.
وأخيرا أقول، ان مقاربة من التوقعاّت ستكون ذات فائدة لا تخفى أي مجال لغالب على حساب مغلوب حتى وان خرج مسحوقا، وعندها سنصل الى حالة اخفاق لكل من رّتب هذه الحرب ولكل من ساهم في اذكائها والدفع لاشتعالها ولكل من عمل على ان تسحق لبنان وجعله بيئة انقسامية اشبه بالعراق، وستبدأ مرحلة جديدة تجري صياغتها في أمكنة متعددة لإعادة رسم المناخ اللبناني من جديد.
مؤرخ عراقي
www.sayyaraljamil.com