بعد طول انتظار، وبعد أن وصلت مشاعر الاستياء والاستنكار أوجها في كل بقاع الأرض من جرائم إسرائيل على الأراضي اللبنانية طالعتنا أميركا وفرنسا بمبادرة تؤكد انقلاب الموازين، وتوضح إلى أي مدى غاب الحق وأغفلت العدالة في الفعل الأميركي المتغطرس، فالولايات المتحدة ـ ومن ورائها أذيالها وأتباعها ـ تحاول أن تحول الفشل الإسرائيلي إلى نجاح، وأن تداوي كبرياء اليهود بعد أن تكشفت للعالم حقيقتهم، وبعد أن أصابتهم هزيمتهم بالجنون والهستيريا فراحوا يمعنون في تدمير أرض لبنان وتقتيل الأبرياء من أبنائها من دون أن يُسمع في الآفاق صوت إلا صوت الشرفاء الأحرار من الناس الذين لا يدينون إلى الولايات المتحدة بولاء ظاهر أو خفي.
إنّ الذي يحدث على أرض لبنان، والذي يحدث في المساعي الدبلوماسية الحثيثة ـ بعد أن استحثتها أميركا ـ يشير إلى أنّ العالم أصبح اليوم لعبة لإسرائيل، وإلى أنّ الأفعال وردود الأفعال على الصعيدين العسكري والسياسي لا يمكن أنْ تلاقي القبول ـ وإن كانت تعبر عن حق لا مراء فيه ـ إلا إذا توافقت مع رؤية أحادية مسيطرة تنطلق من المصالح السياسية الأميركية التي يسيطر عليها نفر من الصهاينة من أصحاب النفوذ والقوة الذين استطاعوا ـ خلال بضعة عقود من السنين ـ أن يحكموا قبضتهم على الساحة السياسية الأميركية، وأن يثبتوا هيمنتهم على الإعلام الأميركي الذي لا ينطق إلا بالحقيقة كما تراها إسرائيل، ولا يعبر إلا عن الحق الذي يصب في مصلحة الصهيونية السوداء ويظهرها بغير ما هي عليه على أرض الواقع.
لم يحدث في التاريخ المعاصر أن تكشفت للعالم حقيقة الولايات المتحدة الأميركية كما يحدث الآن، فمنذ بدء الهجوم الإسرائيلي على لبنان والإدارة الأميركية تزيح عن نفسها ـ بلا تردد أو خجل ـ ستار التمسك بالعدالة والحق والدفاع عن الإنسانية.
إنها لا تعرف إلا إنسانية واحدة هي إنسانية اليهود.. أما مجلس الأمن فهو ـ منذ أمد بعيد ـ خارج عن السيطرة، وليس أدل على ذلك من وجود ما يسمى بحق النقض أو الفيتو الذي تحتل الولايات المتحدة الصدارة في استخدامه منذ الستينات والذي تسخره ـ غالبا ـ لخدمة المصالح الإسرائيلية أو حمايتها، مما يعني ـ بداهة ـ الإمعان في سلب الحقوق العربية وتعميق الظلم على العرب وتفريغ قضاياهم من محتواها.
إنّ الولايات المتحدة الأميركية، بعد سنوات من إمعان السيطرة على العالم والتحكم في كثير من القرارات الدولية السياسية الحساسة، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، آخذة في إحكام سيطرتها على الآخرين، يدفعها إحساس واهم بأنها بلا نظير يستطيع أن يتمتع بقليل مما اكتسبته من قوة سياسية لا تضاهى ولا تقف عند حدّ.
وقد عبّر عن هذه الروح كثير من القادة الأميركيين؛ فقد سخر وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، حين كانت محكمة العدل الدولية تنظر في اتهامات نيكاراجوا ضد الولايات المتحدة «من الذين يناصرون وسائل قانونية طوباوية مثل التوسط الخارجي، والأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية بينما يتجاهلون عنصر القوة في المعادلة». وقد ظهرت هذه النبرة الاستعلائية بوضوح في عبارة المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأميركية أبراهام سوفاير حين قال: «إن معظم العالم لا يمكن أخذه بالحسبان كي يشاطرنا وجهة نظرنا».
إنّ الولايات المتحدة تعبر عن نفسها ـ الآن ـ بشكل أفضل مما سبق، إنها، مدفوعة بقوتها وما حققته من مكاسب كثيرة لصالح إسرائيل، وما يقابل ذلك من ضعف وانتكاس في الموقف العربي لم تشهد له المنطقة مثيلا، لإطلاق يد إسرائيل في لبنان وفلسطين تعيث فيهما فسادا وحرقا وقتلا وتشريدا، ثم تأتي مهرولة، بعد أن انقلبت المعادلة وظهرت في الأرض اللبنانية قوة استطاعت أن تقف صامدة في وجه الجيش الإسرائيلي الذي بدأت حقيقته تتكشف للعالم لتقدم مبادرتها تحمي بها المصالح الإسرائيلية، وتحاول أن تتستر على جرائمها وحقيقة جيشها الذي «لا يهزم».
إن هذه الأيام تشكل منعطفا خطيرا في تاريخ المنطقة، وإن العرب مطالبون بأن يكونوا أكثر وعيا ومسؤولية تجاه قضاياهم ومستقبلهم، وأن يتجردوا من الأهواء والمصالح الذاتية الضيقة وأن يتطلعوا إلى مصلحة واحدة تجمع أصواتهم في صوت واحد. لقد انساقت المنطقة، منذ كامب ديفيد، وربما قبلها، نحو منحدر آخذ بها إلى الهاوية. ونحن، منذ ذلك الحين، لم نر في أفق السماء العربية إلا الويلات والانتكاسات والخذلان والمزيد من الظلم والقهر والعدوان. فقد أمعنا في الفرقة والانقسام.
ولكن أرضنا تمعن في إخبارنا بأن مصيرنا يأبى أن يكون مصائر، وبأن المنطقة لن تتحرر من الويلات والدم والظلم ما دامت سائرة ضد تاريخها ووحدتها نحو التشظي والانقسام.
إن معاهدة السلام التي كانت برعاية أميركية لم تبن منذ البدء على أدنى درجة من درجات العدل والإنصاف، لقد كانت قائمة على أنّ هذه المنطقة فارغة ـ أو ينبغي أن تفرغ من أي وجود عربي واحد كبير، إنها منطقة دويلات ـ وإسرائيل إحدى هذه الدويلات ـ لكل دويلة منها خصوصية ومصالح ورؤية مستقبلية مستقلة تفصلها عن الدويلات الأخرى، وإن التوقيع على المعاهدة بين إسرائيل من جهة وفلسطين أو مصر أو الأردن أو أي دولة عربية من جهة أخرى يوحد مصالح إسرائيل ويقويها في الوقت الذي يفتت المصالح العربية ويضعفها.
لقد بنيت هذه المعاهدة في أساسها للمصلحة الإسرائيلية وحدها، فقد صممت عملية مدريد/ أوسلو من البداية ، كما يقول نعوم تشومسكي وطبقت «من قبل القوة الأميركية ـ الإسرائيلية لفرض حل بانتوستاني( نسبة إلى بانتوستان وهي مقاطعة تتمتع بدرجة محدودة من الحكم الذاتي)، واختار العالم العربي ـ والحديث لتشومسكي ـ أن يخدع نفسه حول المسألة، كما فعل آخرون كثيرون». لقد اخترنا ـ حقا ـ أن نخدع أنفسنا، وأن نخدع الأجيال القادمة من أبنائنا، لقد اخترنا أن نضرب صفحا عن الحقائق الناصعة، وأن نتجاهل تاريخنا وعقيدتنا ووحدتنا العصية على أي تقسيم، وأن ننسى أو نتناسى أنّ الصهيونية لن تقبل بالندية.
ولن ترضى إلا بالسيطرة الكاملة التامة، وأنّ العداء بيننا وبينهم ليس آنيا ولا سطحيا، إنه ممتد في التاريخ، متجذر في أعماق القلوب النابضة، والقلوب التي سقت ـ وما زالت ـ تسقي الأرض العربية دما أبيا عصيا على الذل والهوان. فهل سنقبل أن تستمر الخدعة؟ إذ ـ كما يقول غوته ـ «لا أحد يخدعنا، بل نحن نخدع أنفسنا».
جامعة الإمارات