تسعى الولايات المتحدة وفرنسا بمباركة دول أخرى لتحويل مأزق إسرائيل العسكري إلى نصر سياسي ووضعها فوق القانون الدولي، كما سبق وسعتا في بداية الألفية لحماية الصهيونية من استعادة القرار الدولي الذي يدينها كأيديولوجية عنصرية. الجوهر العنصري للصهيونية هو هو ويحتاج اليوم من العالم إلى إعادة تأكيد.

في نوفمبر 1975 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثلاثين قراراً يعتبر الصهيونية شكلا من العنصرية والتمييز العنصري. وبعد 16 عاماً، في أكتوبر1991، أجبرت أميركا الجمعية العامة على إلغاء هذا القرار باعتباره غير صحيح. وقد امتنع قسم كبير من الدول العربية عن التصويت. كان العالم يعيش أجواء ما بعد حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد إضافة إلى انهيار الاتحاد السوفييتي الذي غير العالم حقا.

إن أول ما فعله يلتسين بعد وصوله إلى السلطة هو أن صوت في الأمم المتحدة على إلغاء القرار 3379، وأعاد في الموسوعة السوفييتية تعريف الصهيونية على أنها مجرد هجرة يهودية لا جريرة لها. لقد فرض المناخ السياسي لذلك الوقت نفسه على مسألة عقائدية كهذه.

لكنه سرعان ما عاد الرأي العام العالمي إلى النبرة التي كتب بها القرار 3379. وفي نهاية أغسطس 2001 ذهبت واشنطن إلى مؤتمر دربان معتقدة أن الأمر سيكون أسهل مما كان عليه في عامي 1978 و1983 حين اضطر الأميركيون والإسرائيليون إلى مغادرة النقاشات التي أثارتها البلدان العربية مدعومة من قبل الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية. وفي مؤتمر دربان أيضا انسحب الوفد الأميركي الرسمي وعلق مشاركته على سحب المؤتمر لبندي اعتبار الصهيونية عنصرية واعتذار الدول التي مارست الاستعمار والرقيق وتعويض الشعوب المتضررة.

ومع أن الحزب الجمهوري كان صاحب فكرة تحرير العبيد في أميركا، إلا أن إدارة المحافظين الجدد لم تكن راغبة لا في إدانة تلك الظاهرة التاريخية ولا في إساءة علاقاتها المتوترة أصلا مع المنظمات اليهودية بعد سقوط الديمقراطيين.

فلن يغفر لبوش توقيع أي مسؤول أميركي على وثيقة تساوي بين الصهيونية والعنصرية. قاطع الوفد الجزء الرسمي من المؤتمر مما أثار امتعاض المنظمات الأميركية السوداء المشاركة. وقد انسحب الأميركيون والفرنسيون ومعهما انسحبت بلدان غربية أخرى وإسرائيل.

أكدت أميركا مجددا أن حماية إسرائيل من أركان سياستها الخارجية. ففي مجلس الأمن حال الفيتو الأميركي دون أربعين قرارا بإدانة إسرائيل. وتجاهلت إسرائيل سبعة وأربعين توصية أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

يحاول مزينو الصهيونية تقديمها على أنها فكرة هدفها لم شمل الشعب الأكثر عراقة في وطنه التاريخي، وأنها لا تضر بحقوق أو مصالح أية أمة أو أي شعب!! لكن فلاديمير جابوتينسكي، أحد الآباء الروحيين للصهيونية، جاهر عام 1923 بأنه: «لا يمكن البحث في سلام طوعي بيننا وبين العرب.. أي سكان أصليون يعتبرون بلدهم بيت أمتهم ولا يسمحون لا لمالك جديد، ولا حتى لشريك جديد بالإقامة معهم. المخرج الوحيد هو الاستيطان. هذه هي سياستنا حيال العرب. وصياغتها بشكل آخر لن تكون إلا نفاقا».

وليس تجاه العرب وحدهم. لقد حاول الصهاينة نفخ روح الشوفينية في اليهود تجاه الشعوب الأخرى أيضا. إيهودا بينسكر أصدر في نفس العام 1923 كتاب «الانعتاق الذاتي autoemancipation حلل فيه وضع يهود العالم واستنتج أن: «اليهودي عنصر غريب وسط الشعوب. لا يستطيع التكيف، ولا يمكن ابتلاعه... كالشبح يجول، يثير الفزع في كل محيط». ويطلب من اليهودي ألا ينتظر شيئا من شعوب العالم، وأن يأخذ مصيره بيده.

بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الأسبق قال حول الوضع الديمغرافي أنه مع بقاء تناسب التكاثر لدى العرب واليهود في إسرائيل سيتساويان في العدد خلال نصف قرن، وأن ذلك سيشكل تهديدا للطبيعة اليهودية للدولة. وطرح سؤاله الذي يفوح عنصرية: كيف يمكن حل هذه المسألة؟ لقد قرأ العالم الإجابة على مدى العقود.

ويربط أيديولوجيو الصهيونية بشكل قسري بين اليهودي كدين وقومية وبين الصهيونية كأيديولوجية. يقول المفكر الصهيوني رافين كهانه: «في اليوم الذي فصلت فيه اليهودية عن الصهيونية أصبحت الأخيرة شكلا آخر للقومية العلمانية البائسة، الخاوية، المشوهة وغير ذات المضمون».

الصهيونية ليست أمة، بل سياسة وحشية وغادرة، بالضبط كالفرق بين الألمان كأمة والفاشية كأيديولوجية وسياسة. لقد سلط عليها الأضواء في عام 1945 الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية ألن دالاس، حين كتب عن تعامل الصهيونية مع روسيا «®.سوف نعمل بشكل نشط وخفي ونشجع حماقة واستبداد كبار الموظفين والمرتشين وغير المبدئيين.

البيروقراطية والتعطيل ستسموان إلى مرتبة الفضيلة، أما النزاهة والاستقامة فستكونان مدعاة للسخرية..» وبعد استرسال على هذا النحو، يضيف: « قليلون فقط سيخمنون أو يفهمون ما الذي يحدث. لكننا سنجعل منهم أناسا يائسين، سنحولهم إلى مدعاة للضحك، سنجد طريقة لنسج الأكاذيب حولهم وجعلهم من نفايات المجتمع...». (مقتطف من مجلة زافترا، العدد 16 (229) ، 1998,04,21 ، مقالة «إنقاذ الأمة»).

ومع الفرق بين مفهومي النازية والشوفينية إلا أنهما متناغمين مع مفهوم «العنصرية»، باعتبار أنه من العنصرية بالذات ظهرت الشوفينية والنازية وما إليهما. إن خلط السياسي بالقومي هو ما يحول دون نقد الصهيونية، وهو تكتيكها لذلك. في حياتي تعرفت على يهود طيبين كثر في المدرسة والجامعة وفي قيادات عدد من الأحزاب التقدمية داخل إسرائيل وخارجها.

بما في ذلك العربية ومن رجال العلم الذين لا يمكن إلا الاحتفاظ بصداقتهم الدائمة أو بأفضل الذكريات عنهم. يجب أن نقول ليهود العالم إننا سنحترمكم عندما تتمتعون بجرأة إدانة أعمال سياسيي إسرائيل التي تسيء إليكم، كما نحترم اليوم كل القوى والشخصيات المناهضة للحرب في إسرائيل. وهذا أمر ضروري من أجل التعايش، وضروري لكي لا تنصب عليكم لعنة الصهيونية. إنهم يرتكبون جرائمهم ملبسين سياستهم ثوبا قوميا ودينيا.

لا تصدقوا أن الصهيونية ليست عنصرية. أليست عنصرية سياسة الترانسفير بتهجير العرب وإحلال المستوطنين؟ أليست عنصرية أن يقابل أسر جندي أو جنديين إسرائيليين في عملية عسكرية بهدم لبنان بأكمله والأراضي الفلسطينية على رأس شعبين دفعة واحدة؟ أولم تضرب إسرائيل لبنان مرارا حتى قبل أن يوجد حزب الله، والفلسطينيين قبل أن تولد حماس؟

أليست عنصرية اعتبار عرب إسرائيل مواطنين من الدرجة الدنيا وحرمانهم من الملاجئ وحتى من سماع صفارات الإنذار في الحرب القذرة الدائرة حاليا؟ أليست مجازر القاع وقانا والضاحية الجنوبية من بيروت ومجازر غزة وقبلها صبرا وشاتيلا ودير ياسين وبحر البقر وخان يونس، والحرم الإبراهيمي والاغتيال والخطف ممارسات عنصرية؟ أليست عنصرية أن تصب غوندوليزا رايس جام غضبها على الأمين العام للأمم المتحدة بسبب انتقاده للمجازر الإسرائيلية في قانا، بينما ظلت تردد خلال الحرب أن وقفها لم يحن بعد؟

أليست عنصرية أن تمتلك إسرائيل 250 قنبلة نووية، خصوصا الآن حيث تقف على حافة فلتان الأعصاب دون أن يقلق ذلك المجتمع الدولي، بينما يعتبر تطوير إيران لبرنامج الطاقة النووي تهديدا للعالم؟

ألا نشهد في كل ذلك ترابطا عضويا بين عنصرية الصهيونية والغرب الذي مارس عنصريته في زمن ما ضد يهود العالم، حيث كان اصطياد اليهود بمثابة الهواية المفضلة لدى الغربيين؟

أليست عنصرية أن يقال للبشر ابكوا دما على محرقة «الهولوكوست» وارقصوا طربا للمجازر في فلسطين والعراق ولبنان والتي قد تحدث في بلدان أخرى في المنطقة؟ في بلدان الديمقراطيات العريقة يمكنك أن تطال بالنقد كل إنسان وعقيدة، لكن إياك والصهيونية.. فستتهم بمعاداة السامية.

أيها السادة.. نحن ساميون أيضا، أيها السادة.. أنتم عنصريون حتى النخاع.. أنتم القرار 3379 الذي على العالم أن يعيده.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com