صمود حزب الله الأسطوري في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية ولأكثر من ثلاثة أسابيع حتى الآن يثير الدهشة والإعجاب. مصدر الدهشة والإعجاب أن الجيش الإسرائيلي هو الركيزة والأساس للدولة العبرية؛ فالجيش الإسرائيلي هو المؤسس الحقيقي للدولة بعكس العديد من جيوش العالم التي تؤسسها تلك الدول.

وقد اكتسب هذا الجيش سمعته المدوية من قدرته على هزيمة الجيوش العربية الكبيرة والمحيطة مجتمعة. كما أن حداثة أسلحته وتجهيزاته المتطورة تغري العديد من الدول حتى الكبيرة منها كالاتحاد السوفييتي والصين الشعبية والهند وتركيا لشرائها والإفادة من تفوقها.

وقد استطاع الجيش باستخباراته القوية مد أذرعه إلى مراكز حساسة في العديد من الدول الأوروبية والأميركية. وتمتلك إسرائيل أكثر من مئتين وخمسين رأساً نووية تضعها في مصاف الاحتكار النووي، وإذا كان جيش الدفاع قد تأسس من الوكالة اليهودية والعصابات الإرهابية في فلسطين منتصف القرن الماضي، فإن حزب الله قد انشق من حركة أمل مطلع الثمانينات. وأمل نفسها تعود إلى مطلع السبعينات بزعامة موسى الصدر.

صحيح أن حزب الله قد تمكن من دحر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 2000، وأرغم قوات الانتشار السريع( المارينز) على الفرار من بيروت عام 1983، ولكن المواجهة الحقيقية هي حرب الثاني عشر من يوليو هذا العام.

اللافت أن المواجهة مع النظام العربي، عسكرية كانت أم سياسية، غالباً ما كانت تنتهي لصالح إسرائيل وفي زمن قياسي: حرب 67 و73، واتفاقات مدريد وأوسلو وما تناسل منهما. أما المواجهة مع الانتفاضتين الأولى 87 والثانية 2000، والمواجهات العسكرية المتكررة مع المقاومة الفلسطينية أولاً، ومع الحركة الوطنية اللبنانية، ومن ثَّمَ مع حزب الله الوارث الحقيقي لكفاح المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ثانياً، فغالباً ما انتهت لصالح هذه الحركات.

وما جرى منذ ثلاثة أسابيع من مواجهات شاملة بين حزب الله وأقوى قوة عسكرية في المنطقة كلها لا تخرج عن السياق، بل تؤكده فقد دفعت إسرائيل بطائراتها الأحدث في العالم وببوارجها ومدرعاتها وبجيشها البري القوي وحاصرت لبنان من البر والبحر والجو، وأطبقت عليه من جميع الجهات، واستخدمت أساليب حرب إبادة وتدمير غير مسبوقة. وللمرة الأولى تخوض إسرائيل حربها في ظل تماهٍ وتأييد مطلق، ومشاركة من قبل أميركا وبريطانيا وممالأة دولية، وتبرير عربي.

لحق الدمار الشامل بعشرات ومئات القرى الجنوبية، وامتد إلى بيروت والبقاع وبعلبك، ودكت بعض القرى نهائيا. القتلى بالمئات والآلاف، أما المهجرون فيقاربون المليون والجرحى بالآلاف. ورغم ذلك فقد كان رد المقاومة قوياً وفاعلاً؛ فللمرة الأولى تصل صواريخ حزب الله إلى شمال إسرائيل، وتقف قواتها البرية عاجزة عن اكتساح قرى متاخمة للشريط الحدودي.

ويتمكن المقاومون من حزب الله من تدمير بارجتين وإسقاط طائرات تجسس وإعطاب العشرات من الآليات المدرعة الأكثر حداثةً وتفوقاً، وتقتل وتجرح العشرات والمئات، وتصل صواريخها إلى العديد من مدن الشمال. فما هو سر الصمود أمام أعتى قوة في بلدان العالم الثالث؟ وهل للعمق الحضاري والبنية الثقافية المتينة دخل في الأمر؟ وهل للبيئة اللبنانية المتنوعة والمتعايشة والمتآخية ما يعزز القدرة على المواجهة والتحدي؟

وهل للحرية التي ميزت لبنان كإنسان وكمجتمع وكفكر علاقة بهذا الأنموذج الرائع الذي قدمه مقاتلو حزب الله؟ ثم ألا تلعب الخبرة الكفاحية للطوائف اللبنانية عبر تاريخها المقاوم في مواجهة التحديات الكبيرة دوراً مهماً في المعركة؟

لا شك أن للتجربة الحية والرائعة لعهد الاستقلال، والإرث الرائع للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية أثرا كبيرا أيضاً! والملمح الأهم أن الحركة الوطنية إسلاميةً كانت أو قوميةً ويسارية في فلسطين ولبنان وبالأخص في لبنان تظل أقوى من الحكم؛ لذا استطاعت التصدي لجيش الدفاع الإسرائيلي وللمارينز والانتشار السريع.

ويبقى الخوف وعلى هذا الصمود الأسطوري على وحدة لبنان من الضغوط الأميركية والعربية التي لا تقل عن خطورة حرب الإبادة والتدمير والتي قد بدأت حتى قبل وقف إطلاق النار.