من السخريات القاسية، أنه في الوقت الذي يجري فيه نعت حزب الله وحركة حماس بالإرهاب من قبل المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وأنهما خطر على أميركا وإسرائيل. كانت هناك جماعات إسلامية أداة رئيسية من أدوات العمليات العسكرية والمخابراتية، والتي كانت تخدم إلى حد كبير مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في الاتحاد السوفييتي السابق. الذي كان أصلا معاديا في أيديولوجيته للولايات المتحدة!
قد يكون النقاش في شرعية الحرب البربرية التي تشنها إسرائيل على الشعب اللبناني نقاشا بيزنطيا، لأن الأمر قد حسم، وأوراق التوت سقطت، والأمم المتحدة أشهرت رأيها في عدم شرعيتها. لكن ذلك لم يحسم تداعيات، تبدو في اللحظة الراهنة أكثر إلحاحاً، والمشهد اللبناني إحدى أكثر التداعيات المثيرة التي تفتقد لمبرراتها وتدفع بالأوضاع العربية إلى أتون صراع مفتوح.
هناك فكرة للأديب الروسي انطون تشيخوف تقول : ( إن النقاد يشبهون ذباب الخيل التي تعرقل الحصان أثناء حراث الأرض، فالحصان يعمل بجد ونشاط، وكل عضلاته مشدودة كأوتار آلة الكونتراباس، وفجأة تنقض تلك الذبابة على ردف الحصان وتلسع وتطن. وهذا ما نراه في الوضع اللبناني الذي يطرح تداعياته عبر رسائل داخلية وزيارات خارجية تتباين تبعا لمعطيات ذلك الوضع الراهن، فيما المضمون يبقى على حاله، ومع ذلك ثمة من يراهن على الجهل تارة، والتجهيل تارة أخرى. ومحاولة قلب المعايير، لتأخذ شكل الخطأ حينا والخطيئة أغلب الأحيان.
والأمر يزداد إلحاحا وأولوية مع تزايد مؤشرات الفشل العسكري الإسرائيلي الذريع، وخصوصا بعد أن وصلت استراتيجية القوة المتبعة إلى حد الإفلاس. وهي في حصيلتها النهائية تطرح ما هو أكثر من الفشل، وإن كانت حكومة أولمرت حتى هذه اللحظة لا تريد الاعتراف ولا ترغب في الإقرار في الهزيمة العسكرية. ربما كانوا يعتقدون أن ولاية أولمرت ستكون حصيلتها ومنذ البداية المزيد من الإحباطات،غير أنهم في الوقت ذاته كانوا يعولون على بعض المؤشرات.
لكن النفق على ما يبدو كان مظلما أكثر مما توقعوه، وكان ممتدا وطويلا أكثر مما تخيلوه ، وهم اليوم عندما يحصون بعض ما أنتجه حزب الله خلال أقل من شهر،يجدون تقهقرا مزمنا حتى في البدائل التي كانت مطروحة. لا أحد في العالم كان بمقدوره أن يشرع الاجتياح الإسرائيلي، والمدنيون الذين يقتلون، تعجز السياسة عن فهم مبرراته، في وقت ينفتح المشهد برمته على تجاذبات ستكون لها انعكاساتها وتأثيراتها على مستقبل لبنان والمنطقة.
فالاحتلال يولد المقاومة، والإمعان في القتل، ينتج التصميم والإرادة على المقاومة والنضال. والمشهد اللبناني، سبق له أن تكرر في الماضي، وهو كذلك حاليا، والأمثلة الحية في مارون الراس الذي أوقف شعر رأس خرافة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وبنت جبيل وباقي المدن والقرى اللبنانية، وأماكن أخرى.. تحرك ذلك المشهد وتعيده. والأخطر من ذلك أن يكون لبنان مثالاً ونموذجاً، وأن تتحول الرسائل الدموية التي تكتب فيها إلى معيار للتعاطي مع مشكلات إسرائيل التي تتفاقم. وتبرز الإشكالية في السياسة الإسرائيلية المتبعة من خلال التحضيرات المتتالية لحملات عسكرية تتسع مساحتها وتكبر دائرتها, دون أن تقدم في الواقع ما يخدم تطلعات الإسرائيليين، بل هي في الواقع الفعلي تكرس الخيبة والفجيعة.
لذلك لم يعد الوقت هو الإشكال الوحيد الذي تتفاقم أعراضه المرضية, بل يضاف إليه ذلك الكم من البدائل والاحتمالات المطروحة، والتي تبدو جميعها غير قادرة على تحقيق الحد الأدنى مما كان ينتظرونه .
.. إنه شيء مؤسف ومحزن أيضاً أن تصل الأمة العربية إلى ما وصلت إليه. تنتظر قدرها دون أي حراك مع إدراك الجميع، وحتى خارج حدود المنطقة العربية...! ان باستطاعة العرب فعل الكثير إذا ما أرادوا ذلك فإمكانياتهم المادية والبشرية والتاريخية تؤهلهم لأن يكونوا على مستوى الحدث، ومن ثم الأقدر على مواجهته، بحيث تكون النتائج لصالحهم. أما لماذا لم يكونوا على المستوى...؟ فهنا السؤال والتساؤل! نتركه للذباب الذي يطن ويلسع مردف الخيل.