اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي ينعقد اليوم في بيروت فرصة ثمينة للدول العربية كي تتلافى جوانب القصور في تقديراتها السابقة وما بنت عليها من مواقف لم تكن على مستوى استيعاب أبعاد العدوان الوحشي الإسرائيلي على لبنان الشقيق.

وليس مطلوباً من الوزراء العرب أكثر من أن يظهروا بالإيجابية والفاعلية التي يبدو عليها اللبنانيون من صلابة في الصمود ووحدة في الموقف وبحيث يكون هذا الاجتماع في حده الأدنى تظاهرة عربية للتضامن الكامل مع الشعب اللبناني.

وعلى الوزراء العرب أن يتمثلوا المسلك المسؤول لأطراف وطوائف الحياة السياسية والاجتماعية والروحية اللبنانية الذين غلبوا الحقوق السيادية الوطنية على غيرها من المصالح وبدوا على ذلك الإجماع الباعث للتقدير والانحناء له احتراما وإجلالا والرافض للوقوع في لعبة العتب واللوم والمحاسبة.

ومؤدى ذلك أن هذا ليس أوان العتاب واللوم بين ممثلي الدول العربية ولا مكان له مستقبلا ذلك أن المستقبل العربي الإيجابي مرهون باستيعاب ما حدث للبنان واستلهام دروسه في الخروج من دائرة ودوامة العدمية وأن يتأملوا مجريات الأحداث ونتائجها .

وكيف أن المأساة كانت دافعا لتوحيد اللبنانيين، وقد كان الرهان أن تلقي بهم في نار الفتنة ويروا في ذلك أو يستخلصوا العبر التي تدل إلى سبيل التضامن العربي، وقد أثبت لبنان أن وحدة الصف أقوى عوامل وأسلحة الصمود المقاوم للهمجية العسكرية الإسرائيلية والظلم السياسي الدولي.

وإذا كانت بيروت قد وردت في سفرنا الأدبي الشعري سابقا وعقب الاجتياح الإسرائيلي في الثمانينات على أنها خيمتنا الأخيرة فهي اليوم في ملحمة المقاومة تبدو قلعتنا العربية الأخيرة الحصينة في وجه العدوان والقادرة بشيء من مواصلة المقاومة السياسية أن تعيد المنطقة إلى الوضع السليم الحافل بحقائق ووقائع العدل والمساواة.

ولقد صار بإمكان الوزراء العرب وقادتهم ودولهم اليوم أن يفعلوا الشيء الكثير والهام في اتجاه التعامل الإيجابي مع السيادة اللبنانية والحقوق العربية وإحلال سلام يقوم على الحل الشامل والقابل للاستمرار.

لقد صارت اتجاهات التحرك والعمل أكثر من واضحة بعد أن زالت الغشاوة التي أحاطت بالبدايات وكان سوء التقدير أو عدم الإحاطة بالحقائق الكامنة هي المتحكمة في ردود الأفعال غير الموفقة وربما كان تناسي طبائع العدو الصهيوني وحقيقته التي تنشط في اتجاه، ومن طرف واحد، وراء مصالحها بل أطماعها ولا تضع أدنى اعتبار للطرف الآخر في كل شيء.

ومرة أخرى يبدو اجتماع وزراء الخارجية العرب فرصة للاستفادة من التغيرات والمستجدات في السياسات والمواقف الدولية التي صارت تقترب من مناطق الحل الشامل واهتبال الفرصة وعدم تفويت ما تفتحه من مجال أمام التوسع في الطرح والدفاع عن الحقوق السيادية والسلمية بالشكل الذي يتكامل فيه المساران اللبناني والفلسطيني.

ومن المهم ألاّ يخلو الموقف من التأكيد على الوجه والبعد الفلسطيني للصراع القائم في المنطقة ولو من باب التعبير السياسي عن التضامن مع الشعب الفلسطيني مع أن المطلوب الخروج بخطاب واضح لإسرائيل والمجتمع الدولي أن العرب لن يظلوا بعد الآن مكتوفي الأيدي إزاء ما يجري في المنطقة وما يمكن أن يطرأ عليها.

ومن المهم أيضا أن يتوصل وزراء الخارجية العرب إلى وضع الخطط العامة للعمل العربي المشترك لمرحلة ما بعد بيروت أو ما بعد الانتهاء من الأزمة القائمة.

وكخطوة على طريق عقد المؤتمر الدولي حول المنطقة والذي دعت إليه اليمن بزعامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية يمكن التداول في عقد قمة للدول العربية ومجموعة الثماني حيث يتسنى نزع الفتيل الخارجي للاشتعالات في المنطقة والتوفيق العربي في هذا الاتجاه مرهون بالتوافر على آلية للعمل المشترك وفق مسارات وغايات موحدة.