آخر ما كانت تتمناه بعض الدول العربية، ولربما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، أن تشاهد الآلاف من مواطنيها رافعين لأعلام حزب الله وصور أمينه العام السيد حسن نصر الله. بل إن آلاف المتظاهرين في هذه الدول من الخليج شرقا إلى المغرب غربا قد وجدتها فرصة في نقد إن لم يكن الطعن في أسس شرعية الدولة وتطالب بالتغيير.

إن حرب تدمير لبنان والتي كان الهدف منها في بادي الأمر القضاء على حزب الله ثم استعاض عنها بتجريده لسلاحه أو تحديد قوته تحمل للمنطقة العربية الكثير من المصاحبات والتداعيات، بعضها آني الحدث وبعضها بطيء يأتي كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس مع «المخاض».

إن المنطقة العربية التي عاشت خلال الخمسين سنة الماضية ثمانية من الحروب، خمسة منها خاضتها مع إسرائيل وثلاثة منها تمت على جانب الخليج، وهي حروب قد جاءت بمصاحبات لم تدفع هذه المنطقة على النهوض فحسب بل أنها قد عمقت من حدة الصراع الداخلي على القوة بأشكاله ومستوياته المختلفة، وأفرزت مصفوفة من القوى والمواقف الاجتماعية والسياسية الجديدة التي عززت من الموقف المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، كما أنها أعادت إحياء قيم المحافظة بشكل كبير.

كما بدت هذه الحروب قناة مهمة لتجفيف أي فائض نفطي قد تنعم به المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي حتى الآن.

إن تحقيق النصر العسكري لإسرائيل وإزاحة حزب الله من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي لا يعني نصرا للدول العربية، كما أن صمود حزب الله لا يعني هو الآخر مكسبا لبعضها الآخر. وأعتقد أن الدول العربية ستعاني من الفعل العسكري الإسرائيلي في حالتيه المنتصرة أو محدودة الانتصار. وأن صمود المقاومة قد يعمق من إشكالية علاقتها مع المجتمع في الداخل.

وإذا ما عرفنا أن الصمود في حد ذاته رغم حجم الدمار والخراب الذي لحق بلبنان قد أضحى يفسر بالنصر، فأن الذي بات يتأسس في خيال الشارع العربي هو النصر القائم على الصمود وليس فعل إلحاق الهزيمة بإسرائيل الذي لم يعد مطلبا في الشارع العربي، فبالنسبة له، أي الشارع العربي، «يكفي هذا الحزب شرفا مقارعة العدو وصد العدوان الإسرائيلي وشرف الصمود».

ومن يتابع ما يحدث على مستوى الشارع العربي يشعر بأن الأخير قد وجد قائده القومي الذي فقده منذ رحيل عبد الناصر، حتى بات الناس باختلاف مذاهبهم وأديانهم يدعون له أو لهم بالنصر، بل إن أقلاما كثيرة قد تحولت من أقلام ناقدة لحزب الله وقائده، إلى أقلام «ممجدة لدوره وداعية له بالنصر المبين».

و أعتقد أن صعوبات جمة ستواجه الدول العربية نتيجة للعدوان الإسرائيلي على لبنان والغطاء الأميركي الداعم له، سواء على صعيد الداخل أو الخارج.و رغم اقتناعنا بان الحرب لم تكن إلا لإعادة رسم المنطقة على أسس جديدة، فشل الفعل العسكري الأميركي في العراق في تحقيقه.

إلا أنه ستبقى أحد أهم إفرازاتها متمثلة في المزيد من درجة انكشاف الدول العربية وضعفها أمام الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، إلا أن هذا الضعف قد يعوض عنه من قبل بعض الدول العربية بقدر أعلى من الشراسة في مواجهة مطالب الشارع المحلي.

كما أن الحديث عن صمود المقاومة قد يثير من جديد جدل شرعية بعض من الأنظمة العربية التي أسقطت، شرعية «مقارعة العدو الإسرائيلي» من حساب شرعيتها السياسية. وهي شرعية بشكل عام لا تستند في الغالب إلى أصول عقلانية تحددها دساتير وقوانين فاعلة وصناديق الاقتراع.

إن اعتبار الشارع العربي للسيد حسن نصر الله قائدا للمقاومة العربية يعني ذلك إخراج حزب الله، إلى الأفق العربي ولربما الإسلامي الأوسع، ونموذجاً للعمل السياسي والجماهيري قد تتبناه بعضا من القوى السياسية الجديدة المتشكلة، كإفراز للحرب التدميرية على لبنان.

ولا أعتقد أن الحزب كان يوما يحلم بأن ترفع أعلامه وصور قائده ليس في المنطقة العربية فحسب وإنما في عموم العالم الإسلامي ومواقع كثيرة من العالم، ومثل ذلك قد لا يسرُ كثيرا الولايات المتحدة وإسرائيل، واللتان باتت أخطاؤهما الإستراتيجية في المنطقة العربية فاضحة ومعززة لحالة الكره النمطية لهما، حدث العدوان بات يشير إلى تحول مهم في الموقف من الولايات المتحدة الأميركية بفعل مساندتها ودعمها لإسرائيل.

إن كل عمل عسكري جديد تخوضه إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في المنطقة يفرز وضعا وقوى سياسية جديدة تتسم في الغالب بالراديكالية وبقدر كبير أو صغير من المناهضة للدول العربية القائمة والعداء لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. ومثل ذلك يمكن ملاحظته في كل المنعطفات والحروب العسكرية التي كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية طرفا فيها. وأعتقد أن وضعا جديدا سيتأسس وقوى جديدة ستأخذ مكانها في هذه المنطقة ولو بعد حين.

إن المنطقة العربية هي إحدى المناطق القليلة في العالم التي أثبتت، تجربة الحروب السابقة التي خاضتها، أن الشعور بالهزيمة والإذلال الموقع عليها من قبل إسرائيل والخارج لا يتحول إلا إلى أشكال من التعبير السياسي والاجتماعي والثقافي تأخذ شكل الحمم البركانية التي تدمر الذات والآخر.

إن تجربة إعادة إنتاج الإذلال والهزيمة على شكل من أشكل البناء، كما هي في التجربة اليابانية والألمانية، يبدو أنها مستعصية على التبني لخصوصيات المكون الاجتماعي والثقافي والديني لهذه المنطقة من العالم، أو لربما في تلكؤها عن القبول بالتغيير في بنية الدولة والحكم والمجتمع.

إن الكثير مما تطرحه الولايات المتحدة الأميركية من سيناريوهات وإستراتيجيات متعلقة بالمنطقة وتقسيماتها الأثنية والتي بات البعض يتلقفها خوفا أو ترحيبا لا تعدو أن تكون ضربا من الفنتازيا الخيالية وهي بذلك لن تكون إلا شكلا من أشكال ألعاب الأطفال المعروفة بالجيم بوي.

بمعنى آخر إن من حق الولايات المتحدة الأميركية أن تخترع وتفكر في المنطقة بالطريقة التي تروقها وتخدم مصالحها، والطرف الأضعف هو الطرف الذي لا يرى مصالحه أو لا يقوم بخدمتها أو العمل من أجلها، بل يتبنى دون تمحيص وملائمة ما يطرحه الآخر من نظريات وإستراتيجيات ومشاهد. إنها حالة لا تفسر إلا بكونها واحدة من مكونات النفس المبتورة، خاوية العقل والقوة والإرادة.

إن ما يجري في المنطقة العربية منذ الاحتلال الأميركي للعراق حتى الآن يؤسس لمنطق بل منهج جديد في العلاقات الدولية المعاصرة يقوم على توظيف القوة غير المنضبطة والمنفلتة من أي منطق عقلي أو أسس أخلاقية، إلا أن مواجهة هذا الانفلات لا يبدو هو الآخر عقلانيا من قبل الشارع كما هي الدول العربية.

ويغيب عن قوى المجتمع العربي ثقافة التمسك بالإنجازات وجنوحها المتهور للتضحية به تحت مبررات عاطفية أو إيديولوجية أو طوباوية.إن أحد أهم ركائز الاستقرار في الكثير من مجتمعات العالم الحديث قائمة على ثقافة المحافظة على الفعل المنجز وعدم التفريط به. إنها حالة من الحصانة الثقافية بدت واضحة في تخلي النمساويين عن أمين عام الحزب السياسي الفائز في الانتخابات الأخيرة ذي النزعة العنصرية المتطرفة وفي عدول الفرنسيين عن جو لوبان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

كاتب بحريني