أخيراً، وبعد 24 من حرب التدمير الهمجية الإسرائيلية على لبنان تمكن كبار مجلس الأمن الدولي من الاتفاق على صيغة قرار لوقف إطلاق النار في لبنان تتضمن بنوده الكثير من النقاط لصالح المعتدي والقليل لصالح المعتدى عليه، بل إن اتفاق الكبار، الذين صاغوا من قبل القرار 1559 بحجة خشيتهم على استقلال وسيادة لبنان، تجاهل الحكومة الشرعية للبلاد التي كانت آخر من يعلم، بل إن الحكومة اللبنانية عبرت عن تحفظها على القرار الذي يطالبها بكثير من الإجراءات دون أن يدين المجرم.
واللافت في القرار أن مقدمة ديباجته تحميله حزب الله مسؤولية هذا العدوان من قتل وتدمير بنية تحتية ونزوح وهو ما يعني تبرئة لإسرائيل من أي مسعى للسلطة اللبنانية، أو الضحايا لمطالبتها بتعويض.
وفي مقدمة ديباجة مسودة القرار أيضاً مطالبة بمعالجة عاجلة لأسباب الأزمة أي الإفراج غير المشروط عن الجنديين الإسرائيليين المخطوفين منذ 12 يوليو الماضي، بينما يبقى حال الأسرى اللبنانيين بيد إسرائيل حيث يخضع الأمر لتسوية لاحقة، لكن من صاغ القرار لا يعطي للأسرى اللبنانيين تلك الأهمية التي يعطيها للأسيرين الإسرائيليين.
ومن يتمعن في مسودة القرار يلاحظ بشكل فج ازدواجية المعايير وانحيازاً فاضحاً لصالح المعتدي الذي قتل نحو ألف شخص وأصاب نحو ثلاثة آلاف وشرد المليون ودمر اقتصاد بلد كامل، فها هو يطلب وقف إطلاق النار أولاً من حزب الله، ثم يطالب إسرائيل بوقف العمليات العسكرية الهجومية، والكل يعرف، وكثيراً ما ردد ذلك الرئيس الأميركي جورج بوش، أن إسرائيل تصر على أن ما تقوم به دفاع عن النفس!
ويبرز التناقض الصارخ في هذا القرار في دعوته إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي ومع ذلك بدا أن القرار سيفرض فرضاً على هذا البلد، لأنه لم يعلن قبوله إياه، ولم يوضع في صورة مداولاته في وقت يدعو القرار إلى نشر قوات دولية من الخط الأزرق وحتى نهر الليطاني أي السيطرة على نحو 15 في المئة من هذا البلد، مع عدم إغفال تجاهل القرار مسألة التغلغل العسكري الإسرائيلي في مناطق متعددة في الجنوب اللبناني من دون أن ينص على ضرورة انسحابها وعودتها إلى مواقعها السابقة، بل وحتى تطبيقها القرار 425.
والسقطة الكبرى التي وقع فيها مشروع القرار تغاضيه عن المأساة الإنسانية التي تسبب بها العدوان، فلا ذكر لمعاناة المليون من اللبنانيين المشردين داخل وطنهم والذين دمرت بيوتهم.
مسودة القرار نصت في الديباجة على الحاجة إلى معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوء الأزمة، ولكن يبدو أن «عين» القائمين على صياغته لهم مفهوم مختلف حول هذه الأسباب، فالمعالجة المقترحة لا تشير إلى الأسباب الفعلية بل يبدو أنها ترى في ما فعله حزب الله السبب الأوحد والوحيد، ولذا نصت البنود الـ 14 التي أعلن عنها على آليات لتفكيك هذا الحزب وترسانته دون أي لوم إلى الجانب المعتدي الذي سفك الدماء ودمر مكونات لبنان المادية والبشرية.
رغم أن الإعلان عن التوصل إلى التوافق على هذا القرار بث لدى المتابعين بصيص أمل في إنهاء هذه المأساة التي تتواصل فصولها الدموية منذ 25 يوماً، إلا أن ظهور الصورة النهائية له أعاد الإحباط من أن تكون الأمم المتحدة إلى جانب المظلوم، وعدم محاباتها للطرف القوي.