من أي منظور قيمنا العدوان الهمجي الإسرائيلي المزدوج اليوم على لبنان وفلسطين وكيفما حللنا أسبابه وتداعياته فلا بد من الاعتراف بأنه يشكل المواجهة المصيرية الأكثر حسما للصراع العربي الإسرائيلي الدائر في المنطقة منذ ما يقارب القرن.

فهو يضع العرب أولا وبقوة أمام تحدي البقاء أو الفناء،لأن العرب بلغوا اليوم وعبر هذه الحرب ما يطلق عليه ساعة الحقيقة، فلم يعد من اليسير الهروب إلى الحجج الواهية التي لم تعد تقنع أحدا مثل :خيارنا هو السلام أو سنعترف بإسرائيل إذا ما وإذا ما....!

لأن العدوان فاق كل درجات الاحتمال بالنسبة للشعوب العربية وهذه الشعوب تختلف عما كانت عليه عام 1948 إبان النكبة وعام 1956 إبان العدوان الثلاثي وعام 1967 موعد العرب مع الهزيمة وعام 1973 عندما حقق العرب نصف انتصار وعام 1982 حين واجه لبنان الغزو من أجل محو المقاومة الفلسطينية من الخارطة، لأن الأمة تعيش ككل أمة في الألفية الثالثة وتتأثر بوسائل الإعلام والاتصال الراهنة وبشكل مباشر وآني متطور، وهذا هو فضل العولمة على تحرير الأمم كما لم يتوقعه أعداؤها ومغتصبو حقوقها!

ثم يأتي التحدي الثاني للعدوان البغيض ليضع الشعب اليهودي الموزع في شتى أصقاع العالم لا الأربعة ملايين يهودي المقيمين في إسرائيل فقط أمام مراجعة قاسية واستعجالية لمستقبل هذه الدولة العبرية ذات المواصفات الفريدة والاستثنائية بين الدول، من حيث هي تأسست على الإرهاب منذ قتلت العصابات الصهيونية المتطرفة اللورد موين في القاهرة عام 1944 بعد أن عينته الحكومة البريطانية مسؤولا عن الملف الفلسطيني عام 1941 .

ثم اغتالت عصابات الهاغانا الكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة إلى فلسطين عام 1948 وفجرت عصابة شترن فندق الملك داوود في القدس على رؤوس الضباط البريطانيين المئة والعشرين في نفس العام. ثم بدأت سلسلة المذابح في فلسطين من دير ياسين إلى بئر السبع إلى قانا وصبرا وشاتيلا إلى اليوم في لبنان.

أما الحقيقة الثالثة في مواجهة المصير فهي وضع العالم بأسره أمام الواقع كما هو ،لا أمام التزييف الاعلامي والتزويق الدبلوماسي للصراع الفلسطيني والعربي مع همجية دولة خارجة عن القانون وليس لديها من حلول سوى منطق التدمير والابادة والترويع.

هذه المواجهات الثلاثة هي التي تجعل القضية تتحرك نحو حلول أخرى مختلفة عن الحلول الجزئية والمتحيزة التي رسمت لها الولايات المتحدة خارطة طريق! والتي أعلنت السيدة رايس في مؤتمر روما أنها لا تقوم الا بعد انهاء كل نفس مقاوم لهذه الخارطة الأميركية وبلا شروط وبالقوة العسكرية فحسب! وهو ما جعل الصراع العربي الإسرائيلي يتحول بسرعة إلى مواجهة قوة عظمى هي التي تحرك قوات الاحتلال «تساحال» وتحدد لها الأهداف وتزودها بجسور جوية من القنابل الذكية وقائمة أهدافها على الأرض.

فقد أحدثت الهجمة الحربية على لبنان وفلسطين رجة في الضمير اليهودي ذاته وأصبح كثير من كبار المفكرين اليهود يراجعون حساباتهم والتعبير عن خوفهم الحقيقي على مصير اليهود في إسرائيل، فقد اشترك أشهر المثقفين اليهود هذه الأيام في التوقيع على بيان قوي اللهجة صادق العبارة يتهم إسرائيل بتدمير نفسها حين تقوم بمغامرة لبنان والقطاع،.

أي والله تكلموا عن المغامرة التي يرونها في جانب إسرائيل وهم ليسوا عربا ولا هم من حزب الله ولا من حماس بل هم مشاهير اليهود أمثال نعوم شومسكي عالم الألسنية وهارولد بينتر الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2005 وجوزي ساراماغو الكاتب الحائز على جائزة نوبل لعام 1998( راجع البيان القوي على صحيفة لوموند الباريسية الاثنين الماضي) وندد هؤلاء الكتاب الكبار بمواقف الولايات المتحدة والغرب للكيل بمكيالين في التعامل مع القضية، بل وبلغوا حد التنديد بما سموه ارادة جلية إسرائيلية لابادة الشعب الفلسطيني في مناخ من عدم العقاب أو المساءلة!

وفي نفس السياق وعلى صحيفة ليبراسيون الفرنسية اليسارية أصدرت مجموعة يهودية من المثقفين الفرنسيين بيانا تحت شعار (كفاية) ومن بينهم المؤرخ بيار فيدال ناكي وأساتذة الجامعات ايتيان باليبار وسوزان سيترون وستيفان هيسيل وهنري كورن وأبراهام سيغال وجيل منسورون يقولون فيه: كفاية تقتيلا للأبرياء في لبنان وفلسطين كفاية الاعتماد على القوة كفاية اغتيالات الناشطين كفاية أسر أعضاء حكومة منتخبة كفاية قصف المولدات الكهربائية كفاية تجويع شعبي القطاع ولبنان كفاية جنون الحرب والابادة باسم دولة إسرائيل كفاية شن حرب بالوكالة عن واشنطن التي تريد تحت دعوى انقاذ إسرائيل توسيع الحرب إلى مهاجمة ايران وسوريا من أجل حساباتها الخاصة ومصالحها الأميركية.

هكذا تكلم اليهود بالحرف وكما تلاحظون فانهم أكثر تنديدا بإسرائيل من بعض أبناء جلدتنا العرب الذين ينعتون أنفسهم بالواقعيين والعقلانيين!

alqadidi@hotmail.com