في كلمته المتلفزة الأخيرة، الهادئة والمتزنة، تحدث الأمين العام لحزب الله عن جملة شروط إسرائيلية تحاول الادارة الأميركية تمريرها على لبنان في إشارة لعدد من الشروط التي باتت متداولة، كاستقدام دفعات متتالية من قوات (اليونفيل) الدولية، كما استطاع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، أن يكرس في كلمته المشار اليها، منطلقات المقاومة اللبنانية عبر تأكيده بأن انتصار المقاومة هو انتصار لكل لبنان بكل تياراته وطوائفه ومشاربه الفكرية والسياسية، ورفضه أي حلول مذلة للبنان وشعبه.
وتبع الموقف المذكور ما أعلنه رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وباسم الحكومة اللبنانية، رفضه مجرد البحث في استقدام قوات دولية اضافية قبل وقف النار، كما في رفضه المساس بالمقاومة، كما في رفضه البحث في أي من القضايا التي تحملها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قبل وقف قوات جيش الاحتلال لاطلاق النار، واجراء تحقيق دولي بمجزرة قانا الجديدة التي وقعت صباح 30 /7/ 2006.
فاضطرت الوزيرة رايس لالغاء زيارتها إلى لبنان، بعد أن بدا الموقف الأميركي فاقعاً في اسناد ودعم وتغطية العدوان الإسرائيلي، والتستر على جريمة ايهود أولمرت في بلدة قانا اللبنانية.
ففي لقاءاتها التي أجرتها في تل أبيب، وبعيداً عن ارادة مجلس الأمن والأمم المتحدة، سعت ومازالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، لطبخ وتمرير رزمة متكاملة من الحلول المشروطة على لبنان، والبعيدة عن التوازن بعد أن أيدت وساندت واشنطن الجولة الدموية الإسرائيلية ضد لبنان وشعبه، وتقديمها إلى مجلس الأمن بعد أن تكون الوزيرة العتيدة قد أتمت تسويقها في المنطقة والعالم.
فالحلول الجائرة جاهزة دوماً في ( نيو سوبر ماركت ) الجعبة السياسية الأميركية بعد أن فشلت قوات الجيش الإسرائيلي في اضعاف المقاومة اللبنانية أو في دفع حزب الله لرفع الأعلام البيضاء والرضوخ لمشيئة قوات الاحتلال. ومن بين العناوين التي تعمل لانجازها الوزرة كوندوليزا رايس يأتي الحديث المتواتر بشأن نشر المزيد من القوات الدولية بواقع خمسة عشر ألف رجل، على شريط جديد من مناطق جنوب لبنان.
يجري تحديده وفق « الحاجات الأمنية الإسرائيلية » دون النظر بعين الاعتبار لمصالح وحاجات لبنان الأمنية المعرضة للاختراق الدائم من قبل الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن ربط مجيء القوات الدولية بزج لبنان لجيشه الوطني جنباً إلى جنب مع قوات القبعات الزرق، وتحويل قطعاته إلى قوات حراسة لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي.
خصوصاً وأن نشر القوات الدولية سيتم وفق الموقفين الأميركي والإسرائيلي على الجانب اللبناني فقط، بينما تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي في تواجدها بالقرب من الحدود الدولية بين فلسطين ولبنان مع الاحتفاظ الكامل بمزارع شبعا اللبنانية الواقعة على مثلث الحدود الفلسطينية السورية اللبنانية وفق تقسيم سايكس بيكو عام 1916 وتعديلاته عام 1923.
فنشر قوات دولية من مجموعات القبعات الزرق يأتي في الظرف اللبناني الراهن في سياق التوظيف الأميركي للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وفي اطار التعامل الاستخدامي مع الهيئة الدولية الأولى الذي دأبت واشنطن على اتباعه منذ انهيار التوازن الدولي عام 1990 وسيادة منطق القطب الواحد، وتحولها إلى شرطي دولي في سياق معالجة الملفات الدولية الكبرى.
ان القوات الدولية التي يتواتر الحديث بشأنها قبل وقف النار الإسرائيلية ودون دور رئيسي للأمم المتحدة، لن تكون سوى قوات « شهود زور » وقوات « الحل المنقوص لحلول ملغومة » التي يجري وضعها في أتون صراع يراد له أن يقود لبنان نحو المجهول. فالقوات الدولية لم تستطع أصلاً أن تحمي نفسها، أو أن تحمي أياً من المدنيين اللبنانيين .
والخط المقترح لنشر القوات الدولية يصيب مساحات واسعة من أرض لبنان تحت ذريعة ابعاد منصات الكاتيوشا التابعة لحزب الله، وتمتد من نهر الليطاني حتى مناطق قريبة من تخوم نهر الأولي الواقع شمالي مدينة صيدا، وصولاً إلى مناطق البقاع الغربي إلى الشمال من قطاع العرقوب، وتحويله إلى حزام أمني يستنزف دماء اللبنانيين وحتى القوات الدولية( اليونفيل) التي قتل العشرات من رجالها خلال سنوات انتشارهم في لبنان منذ العام 1978 بقيادة الجنرال الافريقي عمانوئيل أرسكين، وذلك بعد عملية الليطاني التي اجتاحت فيها القوات الإسرائيلية مناطق جنوب لبنان وأنشأت عليها دويلة الرائد المنشق سعد حداد والرائد سامي الشدياق، قبل أن يحل مكانهما اللواء أنطوان لحد.
ان جلب المزيد من القوات الدولية بواقع خمسة عشر ألف رجل، يعني فيما يعنيه ترسيم خط جديد بصبغة دولية، لصالح الاحتلال في جنوب لبنان، وتوظيفه في نقل الصراع بين لبنان والمقاومة من جهة والأمم المتحدة من جهة ثانية، وخلط الأوراق والمناكفات وتوليد الاهتزازات داخل الساحة اللبنانية بعد أن هدأت عواصف التخريب والاغتيالات الداخلية في لبنان، والتي ثبت بأن إسرائيل تقف وراءها، بعد كشف الشبكات المرتبطة بها، كما تبين في التحقيقات التي جرت مع الشبكة الخاصة التي ألقي القبض على عدد من أفرادها قبل شهرين من الزمن.
وعليه فان اضافة المزيد من قوات القبعات الزرق إلى طرف الحدود اللبناني والى العمق قليلاً منه، لايمكن أن يشكل حلاً منطقياً، أو مدخلاً للحل في ظل سياسة الاستخدام والتعويم التي تتبعها الادارة الأميركية في التعامل مع الهيئة الدولية الأولى ومع المنظومة العالمية التي تصرخ كل يوم بضرورة وقف العدوان والتدمير المنهجي والهمجي للبنية التحتية في لبنان كما جاء في بيان دول المجموعة الأوروبية مؤخرا، وعبر كلمة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في جلسة مجلس الأمن يوم وقوع مجزرة قانا الثانية.
فقوات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة لا تحمل حلولاً سحرية، وتبقي عاملاً مساعداً عند توافر شروط الحل المتوازن، وعاملاً مسانداً لانجاز الحل، قبل أن تكون قوات تحت الفعل الاستخدامي للقوة الدولية المتنفذة، بالرغم من الحديث المنقول على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بأن «القوات الدولية ستعمل وفق الفصل السابع» أي بصلاحيات كاملة لفرض السلام بـ «القوة ».
بينما غاب الفصل السابع طوال ثلاثة عقود من انتشار قوات اليونفيل الدولية (أربعة آلاف رجل) جنوب لبنان عندما كانت قوات الاحتلال تصول وتجول وتقتل وتستبيح أرواح وممتلكات الناس بروح مشبعة بالفاشية، وصمتت الأمم المتحدة في مجزرة قانا الأولى عام 1996، وعملياً تصمت الآن في قانا الثانية عام 2006، ولانرى أثراً للفصل السابع.
وبناء عليه، فالمعالجة الحقيقية تنطلق أولاً من وقف النار الإسرائيلية، ووقف غارات القتل الهمجي الصهيوني التي تصيب كل يوم المدنيين العزل والبنى التحتية اللبنانية، وذلك قبل الحديث عن أي شيء آخر، وقبل البحث في استجلاب قوات القبعات الزرق. فنشر أعداد إضافية من قوات الأمم المتحدة دون اتفاق على حلول سياسية لمسألة الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية المحتلة بما فيها مزارع شبعا، واقرار مبدأ التوازن والتبادلية في نشر القوات اياها على جانبي خط الحدود، سيحول القوات الدولية إلى لغم موقوت داخل الساحة اللبنانية، ويعطل امكانية تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
كاتب فلسطيني ــ دمشق
