الأزمات الكبيرة تكون فرصة لفهم أفضل للتحولات في مواقف القوى الدولية وأحيانا تكون فرصة لاختبار مدى صحة قراءتنا للواقع الدولي وقد كشفت أزمة الحرب اللبنانية الإسرائيلية عن جديد ينبغي أن يستوقفنا، فالحرب استدعت بالضرورة جهودا دبلوماسية لوقف إطلاق النار كشفت عن تحولات في المواقف والممارسات والمفاهيم، وبين هذه التحولات درس ملفت جدير بالتوقف هو وجود اسم بولندا على قائمة الدول الأوروبية التي رفضت مشروع قرار أوروبي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار. فلماذا رفضت بولندا وقف إطلاق النار الفوري؟

وقد انطوى المشروع الأوروبي لصياغة موقف مختلف في الأزمة اللبنانية على مفاجأة مهمة نسفت مقولة «السياسة الخارجية الأوروبية» وهي مقولة أثيرة عربيا كانت تستخدم غالبا للإشارة إلى موقف متماسك وبالضرورة مخالف للموقف الأميركي وبالتالي يتوقع منه أن يقوم بموازنة الجموح الأميركي على الساحة الدولية الذي بلغ قمته خلال السنوات التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

والأزمة التي خلقتها الحرب الإسرائيلية على لبنان لها أهمية كبيرة للسياسة الخارجية الأوروبية من حيث طبيعتها الحادة وموقعها الحساس في قلب الشرق الأوسط (الفناء الخلفي لأوروبا) وأهمية الأطراف المتأثرة بها بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي في النهاية عملية تدمير منهجي لدولة هي الأهم للسياسة الخارجية الفرنسية في هذا الجزء من العالم.

والسياسة الخارجية الأوروبية في ضوء هذا تحاول أن تخوض معركة دبلوماسية بدفع فرنسي (كان حتى وقت قريب فرنسيا ألمانيا)، وقد فقد الدفع الفرنسي الكثير من عوامل قوته بانتخاب أنجيلا ميركل مستشارا لألمانيا لتحدث انعطافا كبيرا في العلاقات الخارجية لألمانيا بالتقارب مع الولايات المتحدة على حساب تحالفها التاريخي مع فرنسا. ولكن عندما جاءت لحظة التصويت كانت هناك عدة مفاجآت تمثلت في رفض ثلاث دول أوروبية (غير بريطانيا) قرارا أوروبيا يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، ويعد موقف بولندا - وبدرجة أقل تشيكيا - الأهم في هذا المشهد الأوروبي المختلط، والفهم يقتضي العودة للوراء عدة أعوام.

البولنديون في العراق

التحول في الدور السياسي البولندي على ساحة السياسة الدولية ليس جديدا فبولندا التي كانت على مدى التاريخ الحديث كله تعاني تبعات وجودها بين قوتين من أكثر القوى الأوروبية صعودا وهبوطا هما روسيا وألمانيا وهي حقيقة دفعت بولندا ثمنها مريرا من الاجتياح المتكرر منهما ومن اقتطاع أجزاء من أراضيها مرات عديدة، وعندما نشأ حلف وارسو عقب الحرب العالمية الثانية كانت بولندا أحد أهم أطرافه.

وحتى وقت قريب استمر الخطاب التحليلي العربي يتعامل مع بولندا دون تقدير لنتائج هذا التحول فالدور الذي قامت به الولايات المتحدة في تقويض الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو ساهم في تحرير البولنديين من الاستبداد الشيوعي. وبعد تخلصها من «قيود» حقبة الحرب الباردة تحولت بولندا إلى حليف رئيسي للولايات المتحدة محدثة بذلك صدعا في البناء الأوروبي كان موضع انتقاد فرنسي متكرر.

صحيح أن بولندا في توجهها هذا جزء من ظاهرة شرق أوروبية أطلق عليها الرئيس الفرنسي وصفا تحقيريا هو «الديمقراطيات الجديدة» في إشارة إلى مجموعة من الدول التي انضمت للبناء الأوروبي ومدت رغم ذلك جسورا قوية مع الولايات المتحدة لتجهض بذلك الحلم الفرنسي ببناء بيت أوروبي يتبنى أعضاؤه موقفا متماسكا من القضايا الدولية يخالف الموقف الأميركي ويؤسس لسياسة خارجية أوروبية «مناهضة» لأميركا. وفي الأزمة العراقية لم يكن مفاجئا لأحد أن تقرر بريطانيا الحليف التاريخي للولايات المتحدة أن تشارك في التحالف العسكري الذي أسقط نظام صدام حسين، لكن موقف بولندا بدا غير مفهوم.

والمشاركة البولندية العسكرية في الحرب على العراق تعكس رغبة في الانخراط في مشكلات السياسة الدولية على نحو لم تقدم عليه قوى أوروبية أخرى عرفت تاريخيا بالقيام بمثل هذه الأدوار وكأن «الديمقراطيات الجديدة» تريد أن تثبت للولايات المتحدة أنها مستعدة لرد الجميل وأنها في الوقت نفسه لن تدور في «الفلك الأوروبي» وفقا للمفهوم الفرنسي، وهي قد أثبتت بالفعل أنها لن تنعزل عن الصراعات الدولية.

الصراع على ضمير العالم

والدرس البولندي في هذه الأزمة يشير إلى حقيقة أخرى طالما أغفلناها هي أن درجة التعاطف الدولي مع الحق العربي تتآكل لا بسبب نوايا تآمرية عند الدول التي انتقلت من قائمة مقاطعة إسرائيل إلى قائمة المتعاملين معها دبلوماسيا أو اقتصاديا، ففي أقصى الشرق نجحت في بناء علاقة تحالف استراتيجي مع أهم قوتين صاعدتين: الهند والصين.

وفي وسط آسيا تمدد نفوذها في دول «إسلامية» إما بتسويق نفسها كمنتج للسلاح أو كحليف محتمل في الحرب ضد «الإرهاب الإسلامي»، وفي تركيا التي تقع على تخوم العالم العربي نجحت فيما لم تنجح فيه - وربما لم تفكر فيه أصلا - الدبلوماسية العربية، وفي قلب أفريقيا وبعد أن كانت لا تملك علاقات إلا مع نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا لا تكاد توجد عاصمة إلا ولها فيها سفارة فضلا عن شبكة مصالح ضخمة جدا لا تتناسب حتى مع حجمها كدولة.

وهذه الكفاءة التي لا معنى لإنكارها يقابلها حالة انكماش مستمر لأدوار الدبلوماسية العربية وأحيانا في دوائر قريبة جغرافية منا وبيننا وبينها مواريث دينية وثقافية وتاريخية مشتركة لم ننجح في استثمارها للبناء عليها، ودول شرق أوروبا ومنها بولندا كانت تربطها بالعالم العربي صلات تأسست على العلاقات العربية السوفييتية وبعض العواصم العربية كانت تربطها علاقات تحالف قوي مع موسكو، لكن التحولات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو تحولت إلى ثروة مهدرة لا يفكر أحد في استثمارها لتكون رصيدا للحق العربي في معركته الطويلة مع إسرائيل.

وطالما بقينا نركن لأوهام الثقة معتقدين أن الحق معنا بوضوح لا يحتاج عملا دبلوماسيا يشرح أو عملا إعلاميا يخاطب كل مجتمع بلغته فإن مساحة التعاطف الدولي مع هذا الحق سوف تستمر في التآكل، وفي الحقيقة فإن اتجاهات التصويت في مثل هذه الأزمة لا يحكمها قانون واحد، واستسهال بعض موجهي الرأي العام العربي توجيه الاتهامات لمن لا يقف معنا في المحافل الدولية منطق تبسيطي مخل.

والتفسيرات التي يحاول أصحابها أن تبدو «موضوعية» ستظل مفتقرة للموضوعية طالما اختصرت الأمر في مقولة مثل المصالح أو النفوذ الفلاني، فهذه التفسيرات أولا تعفينا من المسؤولية عن التحولات التي تطرأ على مواقف هذه المجتمعات بينما نحن بالفعل شركاء في المسؤولية، وتصور أن هذه المواقف يتخذها أصحابها وهم يعلمون أنها مجحفة بحقوقنا معناه أنها مجتمعات بلا ضمير بينما الصراع هو على ضمير العالم.

كاتب مصري