تتزايد وتيرة العنف في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد في فلسطين والعراق ولبنان بشكلٍ غير طبيعي، ويصعد هذا العنف من قبل بعض القوى العالمية التي من شأنها دعم وتسيير مصالحها الإقليمية عن طريق استخدام العنف.
وكما هو معروف في علم الفيزياء: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه ومن خلال هذه العملية ينشأ الاتزان! لكن هذا القانون لا يسري على ما يجري من ردود أفعال عنيفة في منطقة الشرق الأوسط لانعدام توازن القوى، بل إن رد الفعل يصل إلى أكثر من الفعل نفسه بكثير في المقدار.
لقد استفحل العنف والدمار بادئ ذي بدء في فلسطين المحتلة عام 1948 ثم امتد بمرور الزمن. ووصلت ألسنة لهب العنف والعدوان لكن هذه المرة بنكهة أميركية إلى العراق عام 2003. وبعد انقضاء ثلاثة أعوام على الاحتلال في العراق ووصول العنف المنظم إلى ذروته جدد العدوان الصهيوني نية القتل عنده وعقد العزم على إشعال نار العنف في لبنان من جديد واتخذ من المواطنين المدنيين حطباً لإشعالها.
لبنان يحرق، وشعبه يقتل، وأطفاله تتناثر أشلاؤهم هنا وهناك على قارعة الطريق ولا أحد يتكلم أو يفعل شيئاً إزاء هذه المجازر!! إضافةً إلى هذا الصمت العربي المقيت فقد تم إلحاقه كذلك بخيبة الأمل الدولية الذي أثبتت إسرائيل من خلال أعمالها الهمجية جمود منظومة الأمم المتحدة ممثلةً في أمينها العام كوفي عنان الذي فشل في استصدار قرار دولي يحمل في طياته وقفاً لإطلاق النار وإدانةً كاملة لإسرائيل وأن يحملها المجلس الدولي المسؤولية التامة لكل ما يحدث في لبنان، لكن هذا لم ولن يحصل حتى ولو في الأحلام والتمنيات وذلك لوقوف القطب الأوحد (أميركا) الحاضن الأول لإسرائيل إلى جانبها.
فالأمم المتحدة نفسها لم يسلم مراقبوها في لبنان من قصف القوات الإسرائيلية حتى راح ضحيتها أربعة مراقبين دوليين ولم تجرؤ الأمم المتحدة إلا على القول إنها (تعتقد) أن القصف كان متعمداً!! وعليه فإن التطورات السياسية التي تحدث في العالم يوماً بعد يوم تثبت إصابة منظومة الأمم المتحدة بشلل تام أصاب أجهزتها الإدارية مما منعها من ممارسة دورها بشكلٍ صحيح وفعال إزاء ما يحدث في العالم. وفي حقيقة الأمر هذا الجمود الأممي هو غاية يسعى إليها بعض القوى الكبرى (أميركا) والتي من مصلحتها استغلال مثل هذا الجمود في توظيف الأمم المتحدة وقراراتها الدولية في تسيير وتحقيق مصالحها الإقليمية والدولية.
فبعد سقوط نظام صدام حسين السابق في العراق على أيدي قوات التحالف (الأنجلو - أميركية) اعتبرت الولايات المتحدة هذا السقوط بداية إعلان نهوض شرق أوسطي ديمقراطي يقوم بالأساس على أنقاض الأنظمة المستبدة التي سوف تشملها أمواج الديمقراطية المتدفقة من العراق الذي يعتبر في نظر أميركا النموذج الديمقراطي الحر في العالم العربي.
كما أن الولايات المتحدة كي تدعم بداية نهوض مشروع الشرق الأوسط الديمقراطي الذي ولد في العراق ارتأت من وجهة نظرها أن ترفق هذا المشروع بآليات وسياسات تهدف كما يزعم أصحاب المشروع إلى انعتاق المنطقة من حكم الاستبداد والقمع إلى انتهاج النظام الديمقراطي الحر القائم على التعددية السياسية. وهذه العملية بالطبع تحتاج إلى إرادة تدعم عملية إصلاح سياسي للأنظمة العربية ينجم عنها تحول ديمقراطي، وكعامل مساعد لتعزيز مسيرة الإصلاح في المنطقة لا بد من دعم وتمكين دور مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية وتحويل دورها من دور هامشي ثانوي إلى دور أساسي وفعال وذلك من أجل تعزيز عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.
ولكن يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية قد تخلت عن مبادرتها في علاج الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط بواسطة حقنها بمصل الديمقراطية والظاهر أيضاً أنها ألغت روشتة (وصفة علاج) الإصلاح السياسي التي أسدت النصح بها إلى أنظمة المنطقة. وهذا التخلي الأميركي عن نشر الديمقراطية يرجع بالأساس إلى قيام الديمقراطية الحقيقية (رغبة الشعب) في المنطقة بتشكيل طريق سريع أدى إلى وصول التيار الإسلامي إلى سدة الحكم (حكومة حماس مثلاً) الأمر الذي لا تحبذه الولايات المتحدة، لأنه لا يتماشى بتاتاً مع الرؤية الأميركية التي تحقق مخططات إسرائيل في المنطقة.
وفضلت أميركا بالمقابل انتهاج سياسات تعسفية تجاه العالم العربي وذلك بالاستعانة بحليفتها الأولى في المنطقة إٍسرائيل وقد أدى هذا النهج من السياسات بالضرورة إلى تغيير واضح في استراتيجية الولايات المتحدة المستخدمة في المنطقة.
فبعد إعلان أن كل ما تمر به لبنان من آلام ومعاناة شكلت مأساة إنسانية حقيقية للشعب اللبناني ما هو إلا مخاض عسير يعقبه ولادة «شرق أوسط جديد» منه. وعلى أساس ما يدور في لبنان من هجوم إسرائيلي عليه يتضح لنا أن هناك تحولاً في الاستراتيجية الأميركية نحو منطقة الشرق الأوسط، لذلك نراها قد غيرت استراتيجيتها من الدعوة إلى نشر الديمقراطية والترويج للإصلاح السياسي في المنطقة إلى استراتيجية الحرب على قوى المقاومة في العالم العربي.
إن مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» ما زال يشوبه بعض الغموض، إلا أنه يمكن أن يستشف منه أنه بكل ما يحمل هذا المفهوم في طياته من مخططات ونوايا إلا أنه ما زال مركزاً على فكرة تمكين وتعزيز دور الكيان الإسرائيلي الإقليمي في المنطقة، إضافةً إلى أنه يدور كذلك حول محور إزالة المقاومة من جذورها بجميع أشكالها وأطيافها التي قد تعترض مسيرة المخططات الأميركية - الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وهذا ما يفسر لنا غموض الموقف الأميركي في عدم الموافقة على وقف إطلاق النار في لبنان من أجل إعطاء إسرائيل المجال لتصفية المقاومة بشكلٍ كامل في الجنوب اللبناني.
إن الغاية الأساسية التي ترمي إليها صانعة الشرق الأوسط الجديد في هذه البقعة من الأرض تكمن في محاولتها وضع أيديها على مكامن الثروات إضافةً إلى الموقع الاستراتيجي المهم الذي تطمح كل قوة عالمية إلى السيطرة عليه. وهذا بالطبع كما تراه الولايات المتحدة لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع إلا من خلال تثبيت دور إسرائيل في المنطقة، ورفع سقف صلاحيات ممارساتها في الشرق الأوسط لجعلها قوة سياسية عظمى يصعب على أي دولة الوصول إلى مستواها وبذلك كله تتمكن إسرائيل من قيادة المنطقة.
ومن الشرق الأوسط الكبير إلى الشرق الأوسط الجديد نجد أن كل الدعوات والشعارات الأميركية التي رفعت إلينا باسم الديمقراطية، والإصلاح السياسي، ودعم المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان... ما هي إلا سراب يخفي وراءه تحقيق الأهداف والمصالح الأميركية في المنطقة.
جامعة الإمارات ـ قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com