من وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس إلى رئيس الوزراء ايهود اولمرت ، مرورا بمعظم الفئات السياسية في إسرائيل ، يوجد اجماع على مواصلة العدوان على الشعبين الفلسطيني واللبناني ، حتى تتحقق أهداف الخطة الموضوعة.
أي الخطة التي باتت معروفة للجميع باستخدام القوة العسكرية لتدمير الطرف الآخر ، أي كل أشكال المقاومة ضد إسرائيل وحاضنتها الدولة أو الكيان والشعب وهذا يفسر الطريقة التي استخدمتها إسرائيل في غزة ، وبعد ذلك في لبنان بتدمير البينة التحتية والمرافق والخدمات والمدارس والمستشفيات ، ثم قتل المدنيين وخاصة الأطفال.
بهذه الطريقة تعتقد إسرائيل التي تحظى بتأييد كامل هذه المرة من الإدارة الأميركية وبالموافقة على الأسلوب ، أنها تفرض هيمنتها واخضاعها لدول المنطقة ، وهي تأخذ في الحسبان أن قوى المقاومة التي لا تخاف ليست عائقا في ايصال الرسالة لتلك الدول ، أما الشعوب فهي في العادة تفور ثم تهدأ ، وهي في جميع الأحوال غوغائية منافقة لا تقدم ولا تؤخر.
قلة قليلة من المفكرين الإسرائيليين ترفض هذا المنطق في النظرة إلى شعوب المنطقة ، ومنهم من حذر من أن إسرائيل بتصرفاتها الهمجية وإعتداءاتها الوحشية ، قد تعيد صياغة الموقف العربي من حيث لا تدري وعندها سيكوت الثمن باهظا.. عندها سيكون لكلام شمعون بيريز الذي يرى أن الحرب على لبنان قضية حياة أو موت ، سيكون له معنى ينطبق على طرفي الصراع.
ما يجري في لبنان يحمل الدلائل على فكرة الحياة أو الموت وحين تستخدم إسرائيل وسائلها الشريرة لتنشر الموت في الأراضي الفلسطينية واللبنانية على هذا النحو من الإجرام ، فإن إرادة الحياة ستتحول إلى مشروع كبير للمقاومة والتحرير ، وستكون الحسابات مفتوحة على كل الاحتمالات ، لأن قادة إسرائيل مسحوا فكرة السلام بدم اللبنانيين .
ومن الآن فصاعدا سيقترن معنى السلام بمعنى الاستسلام ، ولن يجرؤ أحد من الجانب العربي على تقديم مبادرة أخرى كتلك التي احتقرتها إسرائيل بعد اقرارها في قمة بيروت مباشرة ، ولن يتفاعل أحد من الأمة التي ترفض الخنوع حتما مع أفكار جديدة ، بعدما سقط الحد الأدنى من الأخلاق التي يفترض أن تتحلى بها أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.
يمكن لأولمرت الاستمرار في تنفيذ الخطة التي وضعها ، وفي أفضل الاحتمالات بالنسبة له قد تأتي قوات من الأمم المتحدة لتفصل بينه وبين حزب الله ، ولكن الجدار الذي بناه كحد فاصل بين جميع مراحل الصراع العربي الإسرائيلي بما فيها مرحلة اتفاقات السلام وبين هذه المرحلة ، سيسد الآفاق في وجهه فلن يرى إلا بضعة كيلومترات يلف ويدور فيها ويضمحل ، حتى يصبح خطأ وجود دولته في المنطقة قاتلا من تلقاء نفسه.
لقد أسس اولمرت لهذه المرحلة الجديدة من الصراع هي الأكثر وضوحا ، لأنها حددت شكل ومضمون وأطراف الصراع بصورة نهائية ، وصنفت طبيعة هذا النزاع وخلفياته وحلفاء كل طرف ، والآن سيبدأ الحساب في إسرائيل وفي العالم العربي كله ، ولن يبقى شيء على حاله بعد انتهاء هذه الحرب بأي طريقة ، لقد سقطت إسرائيل في شرك أهداف إمريكا التي يمكنها الانسحاب في اي وقت إلى قارتها البعيدة ، وقضى كليا على محيط السلام الذي كان بإمكانه أن يعيش فيه ، وكانت تلك خطته.