قد تخلق مبادئ الغطرسات الحروب الطويلة، والقصيرة، مثلما جرى في تواريخ حروب الأديان، أو يكون المحرك قداسات أخرى أيدلوجية، مثل النظريات الشمولية التي قادت الحروب بالنيابة لصالح الأممية الشيوعية، أو قداسة العرق المتعالي على الشعوب الأخرى، التي يجب أن تكون وظيفتها الخدمة تحت أقدام أصحاب الدماء النقية؛ مثلما كان يتصوره هتلر والنازيون.
نحن العرب جربنا أمثال هذه الحروب، منذ صراع القبائل، حتى صراع الطوائف، ولبنان المثال المتكرر في هذا المشكل، وحتى مع ثقافة شعبه، واتصالاته بالعالم، ونجاح كثير من عناصره بالوصول إلى مراكز مرموقة في بقاع كثيرة، إلا أنه ظل مستوطنة التقاتل المزمن، وبإضافة إسرائيل إلى جواره تحول إلى ميدان رماية لها في أي حادثة.
ومع جزمنا المطلق، وقناعاتنا التامة، أن إسرائيل في حالة عداء مستمر معنا، وأن وهم السلام يبقى مجرد هدنة محدودة، تبدأ معها حروب جديدة، إلا أن الواقع يعيدنا إلى الحقيقة المطلقة، وهي أن الحروب بالنيابة؛ التي حركها صراع القوتين الأعظم في الماضي، تحول في لبنان إلى لعبة إقليمية ودولية، أي: أن مشروعات الصفقات السياسية الخارجية، سوف تتم بواسطة الدم اللبناني، سواء جاء الممثل، أو النائب عن تلك الجهات من الداخل اللبناني، أو من خارجه.
فإيران أصبحت جزءاً من اللاعبين في العراق ولبنان، وبمنظور أن أميركا وبريطانيا تعيشان حالة هزيمة في المنطقة، فإن لبنان يمثل تكملة الهزيمة الأهم، أي: أن دخول إسرائيل حرباً مع حزب الله، هو نقطة التحول في إعادة الأدوار التي حلم بها الشاه في تطويق المنطقة بحلف إيراني - إسرائيلي، ليتحول إلى استراتيجية بديلة ومشتركة بين حزب الله اللبناني، وبين طهران، ولتكون سورية حلقة الوصل بين الطرفين.
لكن هذا الرأي له خطورته، لأن القوى العظمى، قد تؤجل بعض انتصاراتها، بخلق البدائل التي قد تضرب داخل الدول المناوئة لها، وهنا لا يمكن القول بتجانس الوضع الداخلي في إيران، أو الرضا التام بين المناوئين لسورية من معارضيها، وبين السلطة، وقد تلعب تلك الدول على تلك التناقضات؛ لتنقل الحرب إلى العمق الداخلي للدول المناوئة لها، وهو هدف لا تخفيه بريطانيا، المخطط والخبير بالمنطقة، ولا أميركا القادرة على منح الغطاء المادي والعسكري لها..
الافتراض الآخر أن يحدث تغيير في استراتيجيات المنظمات الإسلامية؛ بأن تتحالف أكثر من قوة تمثل القاعدة، وحزب الله، وحماس ومعهم منظمات أخرى، ودول لديها تمويل حرب السنوات الطويلة، وهنا قد تدخل المنطقة حالة الانفجار الكبير، ويتحول الاحتقان الإسلامي، من نيجيريا إلى إندونيسيا، إلى خط نار حارق، وهو افتراض تغذيه حماقات أمريكا، وذراع إسرائيل القوية، وشلل الوضع الأوروبي والدولي بما فيه الانتظار الطويل، لكل من روسيا والصين لمن يفكرون بأدراجهم بالقوائم الدنيا في الأحداث الدولية، بهزيمتهم على أكثر من صعيد..
الصور تتراكم، فهل يصبح أسر ثلاثة جنود أشعلوا الحرب على لبنان، بداية خط جديد في الحروب المتنوعة؟ أم هي بداية سلام أبدي يغير معالم المنطقة بأسرها؟!