هل كان العرب في حاجة إلى الحرب على لبنان ومذبحة جديدة في قانا ليكتشفوا زيف وموت عملية السلام مع إسرائيل، واستمرار الانحياز الأميركي السافر إلى تل أبيب ؟! بالقطع لا، غير ان حجم التدمير والوحشية والعنصرية الإسرائيلية التي تمارس جهارا نهارا وفي تبجح بقتل الأطفال والرضع والعجائز، عرت التخاذل العربي الرسمي الذي يتخبط أغلبه منذ بدأ العدوان ما بين توفير الغطاء ومنح تل ابيب الضوء الأخضر، والتراجع النسبي عن إدارة الظهور لما يجري من مذابح ومجازر في القرى والمدن اللبنانية خاصة في الجنوب.

لم نكن، حقيقة، في حاجة الى مثل هذا العدوان للانتباه الى ان ثمة مخططات جاهزة للمنطقة تستهدف خلق شرق اوسط جديد خاضع بالكامل للهيمنة الأميركية تديره اسرائيل بالوكالة عن البيت الابيض.

مثل هذا الحديث قابله البعض في السنوات الأخيرة بدمغ المحذرين منه بأنهم اصحاب نظرية المؤامرة، ونحن نصدقهم في ذلك اذ ان كل شيء معلن ولا يحتاج الى عمل في الخفاء، واذا كان من نظرية مؤامرة فهي تآمرنا نحن على مستقبلنا بتسليم الأوراق إلى الصديق الأميركي وابن العم الإسرائيلي ليفعلوا بأوطاننا ما شاءوا خدمة لمطامعهم واهدافهم.

الخطط وأوراق اللعب الأميركية والإسرائيلية مكشوفة فوق طاولة يراها القاصي والداني. احتلال العراق وتركه في دوامة من العنف المتجدد، والسعي الى كسر ارادة المقاومة في فلسطين ولبنان، والتحرش بسوريا وخنقها من كل جانب، واخضاع باقي البلدان العربية لرغبات سيد العالم وفرض إرادته على الجميع.

قنابل الموت الذكية اذن لا تنطلق عبثا وانما لتحقيق اهداف محددة وواضحة المعالم، ولا يهم ان تخترق تلك القنابل اجساد الأطفال والنساء فهذا يكفيه ابداء الأسف والحزن عنه في أروقة مجلس الأمن الدولي الذي بات أداة طيعة للسياسة الخارجية الأميركية وتحركاتها لامتصاص ردات الفعل الغاضبة التي قد تنطلق هنا وهناك.

فرطنا في العديد من أوراق الضغط، وتلقينا الصفعات واحدة تلو الاخرى، وحتى سلاح الشجب والإدانة تخلينا عنه بدعوى ضبط النفس والإفلات مما هو أسوأ، وكأن هناك اسوأ مما نراه بأم أعيننا من قتل ودمار يومي تحت سمع وبصر كافة الأمم والشعوب التي تتخلى عمن يحاصرون ومن يدافع عن كرامته في مواجهة العدوان.

الموت المجاني ليس قدرنا، واستشهاد الأجنة في بطون امهاتها ليس سبيلنا للبقاء

احياء بلا كرامة، وركام الذل والمهانة يفضح المتخاذلين عن نصرة اخوانهم في لبنان تحت دعاوى الحكمة والعقلانية.

نحن امام علامة فارقة جديدة في مسيرتنا الطويلة المعبدة بالدماء المسفوكة بفعل آلة القتل الصهيونية التي تريد شرق أوسط جديداً مبنياً بجماجم أطفالنا، ومذبحة قانا شاهد حي على هول ما ينتظرنا في الحظيرة الشرق اوسطية المبتغاة اميركيا، وامام هذه الصورة القاتمة لم يعد الصمت مقبولا على المجازر التي حصدت قرى الجنوب اللبناني امام عدسات الفضائيات فيما راح البعض يكتفي بالمشاهدة.

نعم خرجت تظاهرات الرفض والاحتجاج في العديد من العواصم العربية والأجنبية كما خرجت من قبل احتجاج على مجازر جنين وقانا الأولى، لكن ما نخشاه ان تأتي أحداث أخرى تنسينا الجرح النازف الآن قبل ان نفاجأ بمأساة جديدة، وكأننا أمة أدمنت المآسي والاكتفاء بالنواح عند كل مصيبة من دون ان نتعلم الدرس.

الأعداء يبنون قوتهم ويتوسعون في فرض أجندتهم، وبات علينا ان نكسر الحلقة المفرغة التي ندور فيها شعوبا وأوطانا، من أجل الخروج الى دائرة الفعل وعدم الاكتفاء برد الفعل على افضل الأحوال، فقد حان الوقت لتجاوز حالة العجز اذا كنا لا نريد أن نلقى مصير الهنود الحمر، ولعل الصمود البطولي لمقاومة لبنان يعطينا الأمل في الإفلات من هذا المصير.