لبنان يغرق في دمائه، ومأساته والعالم يغرق في خلاف مفاهيمي يعكس خلافات سياسية واستراتيجية عميقة بين وقف إطلاق النار ووقف الأعمال الحربية أو العدائية، فيما تستمر الحرب على لبنان بعد قانا وربما بحصول قانات أخرى. الخلاف الدولي بدأ في قمة الثمانية في بطرسبورغ ثم في مؤتمر روما، ولكنه اشتد واتسع بعد قانا في نيويورك وفي بروكسل. وقد اجتازت سياسة استمرار العدوان الحواجز الدولية التي كان يجب أن توقفها في هذه المؤتمرات، من خلال توافقات الحد الأدنى الممكن والصيغ المطاطة والهروب إلى الأمام.
عندما يطالب لبنان ومعه الكثيرون بوقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط ثم الانطلاق للبحث في النقاط السياسية تحت عنوان يمكن أن نسميه «واحد زائد ستة»، حسب المقترحات السبعة في السلة اللبنانية للتسوية وللانتقال من «الفوري» إلى «الدائم»، تعتبر إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص ان وقف إطلاق النار الفوري يعني العودة إلى (الستاتيكو) الذي كان قائما حتى 12 يوليو ويعني بالطبع فشلاً ذريعاً لعقيدة الردع الإسرائيلية، والاهم فشل استراتيجية التغيير الكلي لقواعد اللعبة التي تهدف إلى فرض الأمن الأحادي الإسرائيلي على الحدود مع لبنان.
لذلك يقول وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيرتس إن الوقف الفوري لإطلاق النار ليس واردا، ويبشرنا شمعون بيريز أن الحرب قد تستمر أسابيع.
وتأتي مجزرة قانا الثانية أو دير ياسين اللبنانية ليس من حيث طبيعة الجريمة فحسب بل من حيث أهدافها، لتعلن عن استراتيجية المرحلة الثانية في الحرب، مرحلة التهجير والتدمير وتفريغ الجنوب من سكانه ودفعهم نحو الشمال، لخلق وضع أزموي إنساني اجتماعي اقتصادي ونفسي ضاغط جدا على لبنان.
وقد بلغ عدد النازحين 900 ألف حسب الأمم المتحدة، خلق وضع أزموي ذي أفق زمني مفتوح، مع مخاطر تداعيات ذلك عبر عنصر الوقت على الوضع في لبنان.
واشنطن أيضا تخوض ضمن هذه السياسة حربها التي يسميها الرئيس الأميركي بالحرب بين « قوى الحرية وقوى الإرهاب في الشرق الأوسط». حرب استراتيجية عبر الساحة الجنوبية الجاهزة دائما للحروب وللمواجهات الإقليمية والدولية أيا كانت الأطراف وأيا كانت العناوين الكبيرة لهذه الحروب كما يدل تاريخ تلك «الساحة».
واشنطن تريد دفع إيران إلى الوراء وتشليحها أو محاصرة موقعها الجديد والمميز والاهم إقليميا في الصراع العربي الإسرائيلي في ساحة المواجهة الأقل مناعة والأكثر قابلية للسخونة، فيما تجد إيران في هذه الساحة خط الدفاع الأول في استراتيجية المواجهة وبناء وتعزيز موقعها الإقليمي. الساحة التي توفر أوراقا قيمة للتأثير المباشر وغير المباشر في السياسات الإقليمية والدولية وحتى الداخلية في المنطقة.
وقف الأعمال الحربية هو البديل المطروح في الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية أمام ازدياد ضغط الرأي العام وفي ظل الكارثة الإنسانية المتفاقمة وتحذيرات قوى وأطراف دولية من تداعيات هذا الوضع على مستقبل الاستقرار الإقليمي، واحراجات الأصدقاء والمخاوف من إعطاء مزيد من الأوراق للأعداء والخصوم ومن مخاطر الاستمرار في ضخ مزيد من الراديكالية في «الشرق الأوسط الكبير».
إنها عملية تنفيس الاحتقان ونوع من الهدنة والتهدئة كما يقول كوفي عنان، وهي حالة مؤقتة وخطوة انتقالية تلتف حول وقف إطلاق النار الفوري نحو توفير شروط وقف إطلاق النار الدائم.
قد تكون أيضا خطوة نحو المجهول وسيفاً مسلطاً نحو العودة المحتملة للحرب المفتوحة. إنها مقاربة تفترض أن وقف إطلاق النار الدائم يقوم على إطار سياسي أحادي يحدده أصحاب هذه الاستراتيجية، ومن ضمن هذا الإطار نشر القوة الدولية للاستقرار حسب الرؤية الإسرائيلية ولبناء (ستاتيكو) جديد ضمن هذه الرؤية أيضا.
مقاربة لا تأخذ بعين الاعتبار النقاط السبع اللبنانية التي توفر الشرعية الوطنية والقانونية الدولية للتسوية المستقرة و(لستاتيكو) مختلف يقوم على توازن مستقر يسمح بفصل المسار اللبناني عن تداعيات مسارات المواجهات الإقليمية على الصعيد العسكري والعنفي.
هنالك حاليا مواجهة بين منطقين كل له مؤيدوه حول مفهوم وقف إطلاق النار: لبنان يقول بالانتقال من الفوري إلى الدائم ولو اختلفت الأفكار والمقترحات الخاصة بعملية الانتقال بين مؤيدي لبنان، وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة تعتبر أن «الفوري» هو ضد «الدائم» وتريد بحزمة واحدة ولحظة واحدة الحصول على الثاني عبر شروطها الضاغطة والمتزايدة.
هذا هو عنوان العملية الدبلوماسية الدولية التي انطلقت بقوة بمؤازاة استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان. ولن تصل هذه الحرب إلى نهايتها إلا عندما يقتنع أصحاب الطرح الأحادي بأن المدخل الوحيد الواقعي والعملي، يكون عن طريق فرض مجلس الأمن ل(ستاتيكو) جديد يقوم على تثبيت خط الهدنة وحمايته دوليا وتوفير الضمانات له فيحقق المطالب المشروعة اللبنانية ويسحب ورقة التدخل من يد إسرائيل، ويسحب أيضا أوراق الصراعات الإقليمية عبر الحرب البديلة، ويحمي لبنان بالتالي من التداعيات العسكرية للمواجهات الاستراتيجية في المنطقة.
كاتب لبناني