قدر الأمم المتحدة وربما قدر العالم بأكمله أن هذه المؤسسة الدولية التي يفترض أنها أسست لحماية السلم والأمن الدوليين تخضع لهيمنة أميركية كاملة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور أميركا كقوة دولية عظمى وحيدة.

اختلال توازن القوى في هذه المؤسسة الدولية لصالح الولايات المتحدة عرض العالم بأسره لمخاطر جمة، وحروب طاحنة في مناطق حساسة لا تحتمل المزيد من العنف كمنطقة الشرق الأوسط.

وما يجري الآن في لبنان هو أوضح دليل على عجز هذه المؤسسة الدولية على اتخاذ قرار منصف يضع حداً للهمجية الإسرائيلية في اعتدائها على بلد مستقل مسالم، وتقتيل أطفاله ونسائه ورجاله، وتدمير بنيته التحتية بدعوى القضاء على حزب الله.

ولم تكن إسرائيل لتتجرأ وتعتدي على لبنان، وتمارس وحشيتها وإرهابها لولا الدعم الأميركي اللامحدود لها، هذا الدعم لم يعد خافياً على أحد، فعلى مدى 33 عاماً استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو 40 مرة لحماية إسرائيل ومنع قرارات تدين الممارسات العنيفة لإسرائيل وللمطالبة بتغيير سلوكها.

الغريب في الدعم الأميركي اللا محدود ليس الدعم العسكري، ولا المادي، ولا السياسي، فكل ذلك أصبح واقعاً ملموساً يعرفه العالم كله، لكن الغريب أن يصل الأمر بالاستبداد الأميركي وهيمنة الولايات المتحدة على هذه المؤسسة الدولية إلى محاسبتها، ومحاسبة سكرتيرها العام كوفي عنان على الانتقادات التي وجهها لإسرائيل حول مجزرة قانا وحول استهداف مراقبي الأمم المتحدة.

لم يدرك عنان أن هذه المؤسسة الدولية التي يرأسها محرم عليها المساس بإسرائيل حتى وإن كان بكلام ينتقد تصرفاتها على استحياء، فعندما تجرأ عنان وأعرب عن صدمته لاستهداف إسرائيل عمداً على ما يبدو موقعاً تابعاً للأمم المتحدة في بلدة الخيام وقتل أربعة مراقبين دوليين، وعندما عبر عن أسفه للمجزرة الإسرائيلية الثانية في قانا أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية أنها عاتبت كوفي عنان على الانتقادات التي وجهها لإسرائيل.

وقالت بالحرف الواحد أعتقد أن الانتقادات التي وجهها عنان حول قانا وحول مراقبي الأمم المتحدة لم تكن مناسبة وصيغت بشكل سيئ!. اكتفت رايس بمعاتبة عنان لأنها تعلم أن دورته الرئاسية على وشك الانتهاء، ولو كان عنان في فترته الرئاسية الأولى لأقالته أميركا كما فعلت ببطرس غالي عندما كتب تقريراً يفضح مجزرة قانا الأولى. هذا هو واقع هيئة الأمم المتحدة الأميركية.