تصريحات الملك كانت واضحة وحاسمة ، وهي رسالة في منتهى الصراحة والدقة لمن يريد أن يفهم واقع الشرق الأوسط في الإدارة الأميركية ، ولكن من الواضح أن هذه الإدارة قد أغلقت عقلها وحواسها عن الفهم.
الملك كان واضحا في قوله أن أساس الأزمة في الشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية وعدم حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه ، وأضاف الملك في رسالة قوية لصناع القرار في الولايات المتحدة وبخاصة المحافظين الجدد بأن الشرق الأوسط الجديد لن يرى النور إذا لم يكن مبنيا على استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية.
مفهوم الشرق الأوسط الجديد ليس واضحا بعد ، وربما أنه حتى غير مفهوم لدى كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية نفسها التي بشرت به ، ولكن ملامح هذه الخطة لا تتجاوز محاولة حمقاء من المحافظين الجدد وبالتعاون مع إسرائيل لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط يستهدف كل الحركات والتيارات التي تعارض السياسات الأميركية بدون تقديم اي مقابل للشعب الفلسطيني واللبناني ، وليست هناك مشكلة لدى الولايات المتحدة في تدمير الدول العربية في سبيل تحقيق هذا الهدف.
نراجع تصريحا خطيرا لشمعون بيريز لوسائل الإعلام الأوروبية قبل ايام يقول فيه إن إسرائيل أعادت للفلسطينيين واللبنانيين كل الأرض وكل المياه ولكن إسرائيل لم تحصل على الأمن واستمرت الهجمات الفلسطينية واللبنانية وهذا يعني أن مفهوم الأرض مقابل السلام اصبح من الماضي.
بيريز هو محامي الشيطان في الحكومة الإسرائيلية وهو مهندس مجزرة قانا الأولى والشريك في مجزرة قانا الثانية وهو يكذب ويخدع الرأي العام العالمي في الإدعاء بأن إسرائيل أعادت الأرض والمياه بينما في الواقع أن إسرائيل ما زالت تحتل الأرض وتسرق المياه ، ولكن تصريح بيريز حول رفضه لمفهوم الأرض مقابل السلام يوضح وبشكل كبير أهم معالم الشرق الأوسط الجديد حيث لا توجد أية أرادة لدى إسرائيل والولايات المتحدة لإعادة الحقوق إلى أصحابها.
ومن المدهش ايضا أن كوندوليزا رايس التي أشاعت مفهوم الشرق الأوسط الجديد والتي تعطي إسرائيل الضوء الأخضر لاستمرار قتلها وتدميرها للبنان تعتبر من المعتدلين في الإدارة الأميركية ، ومراجعة بسيطة لأدبيات المحافظين الجدد تفيد بأنهم ليسوا مرتاحين لها لأنها لا "تتمتع بالحزم الكافي لتطبيق مخطط الشرق الأوسط الجديد" فإذا كانت رايس من المعتدلين فإن بقية صناع السياسة الأميركية يجب أن يكونوا في المصحات العقلية والسجون وليس في مواقع صنع القرار لأكبر دولة في العالم.
وعلى كل حال فإن غطرسة القوة مهما كانت قاسية وجبارة فإن أرادة المقاومة والصمود تبقى هي الأقوى ، وكما عبر جلالته فإن الواقع الذي لا يمكن للإدارة الأميركية تجاوزه هو أن الشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن يرى النور بدون استعادة الحقوق العربية ، ومع الإدراك التام بعدم وجود اي وعي لدى الإدارة الأميركية بخصائص هذه المنطقة يتجاوز هدفهم الرئيسي بدعم أمن إسرائيل فإن الأمر سوف يتطلب الكثير من التضحيات والصمود ولكن أيضا الكثير من العقلانية والمنطق في ايصال رسالة الحقيقة التي يدعو إليها جلالة الملك في كل المحافل العالمية.