تابعنا باهتمام كغيرنا الأسلوب القتالي لمقاتلي حزب الله،وهو أسلوب نال إعجاب العدو وحسد الصديق حتى قال الإسرائيليون «إننا لن نرى مقاتلي حزب الله بالملابس الداخلية رافعي الأيدي»، ووصف جندي إسرائيلي جريح مقاتلي حزب الله «بأنهم» أشداء، ليسوا مثلنا، وأفضل من مقاتلي حماس، وهذه العبارة علقت عليها في مقالة في صحيفة «الحياة الجديدة»
حيث اجتاح الإسرائيليون حي الشجاعية في غزة وقتلوا 29 فلسطينياً، وظلوا لمدة 48 ساعة ثم انسحبوا دون أن يصاب أي جندي. هناك خلل فلسطيني لأن الميليشيات تقاتل على طريقة «الفزعات القبلية» دون تخطيط،وهناك عشرات الكتائب والألوية الفصائلية لا تنسق مع بعضها بعضاً، وفي أثناء ذلك كانت قوات إسرائيلية تحاصر مقر المقاطعة في نابلس وتخرج 150 رجل أمن بالملابس الداخلية وتدمر المبنى على ثلاثة أيام بحثاً عن مطلوبين واعتقلت بعضهم وقتلت بعضهم ولم يصب أي جندي إسرائيلي.
لا أحد تساءل عن هذا الخلل،ولما تساءلت عنه وعن التخبط والفوضى والعشوائية في العمل العسكري الفلسطيني هب البعض لينتقد ما ذهبنا إليه، واتهمنا بالخيانة العظمى لأننا قلنا كيف يفعل الاحتلال كل هذا ولا يصاب أحد في صفوفه؟ مقاتلو حزب الله لديهم قيادة سياسية وعسكرية لها خططها وسيناريوهاتها ولديها أوامر بالقتال حتى الاستشهاد، ولديها أسلحة ولديها تصميم. وهذا غير متوفر حالياً فلسطينياً.
صحيح هناك بطولات فلسطينية كذلك الشاب الذي حاول تفجير نفسه أمام دبابة في الشجاعية لكن لم يقل له أحد أن الدبابة لن تتضرر من بضعة كيلوغرامات من المتفجرات بل تحتاج إلى ما لا يقل عن 80 كيلوغراماً. مقاتلو حزب الله لا يظهرون على الشاشة، ولم نر سوى يد مقاتل وهو يشير إلى معدات غنمها حزب الله في مارون الراس وعيتا الشعب، فيما يظهر المقاتلون الفلسطينيون على الشاشات يومياً في المظاهرات والمسيرات ويختفون عندما تصل دورية احتلالية، ويفتون في السياسة والاقتصاد وكل شيء ويهددون بأسلحة دمار شامل لا يملكونها.
هناك خلل كبير في الأداء العسكري الفلسطيني، وعندما طالبنا بالتوحد والتخطيط الحسن تذمر البعض واتهمنا بالانهزامية. في حين أن العمليات الناجحة عسكرياً التي شهدتها الانتفاضة هي التي تم التخطيط لها مسبقاً مثل عمليات الانفاق في غزة لتدمير مواقع عسكرية ودبابات ثم عملية أسر الجندي الإسرائيلي ثم عمليات تصفية حواجز مثل عملية عين عريك غرب رام الله وعملية وادي الحرامية شمال رام الله، وعملية الخليل،
وأذكر ان مقاتلي مخيم جنين قبل عملية الاجتياح في عام 2002 أعلنوا عن تشكيل قيادة موحدة وحظروا الظهور بالسلاح في الشوارع، وعند اجتياح المخيم استبسل الجميع وأوقعوا في صفوف الاحتلال 24 قتيلا وأكثر من مئة جريح وأصابوا مروحيتين. وكان عددهم أقل من مئة مقاتل. الآن تعيش العسكرتاريا الفلسطينية حالة من الفوضى والترهل، فالأسلوب القتالي لمقاتلي حزب الله هو نفسه الذي استخدمه مقاتلو مخيم جنين في كثير من نواحيه.
وهو قتال وجها لوجه حتى الاستشهاد. وأذكر أيضا ان مقاتلين اثنين من حركة الجهاد الإسلامي هاجما دوريات الاحتلال قرب الحرم الإبراهيمي وجهاً لوجه وأوقعوا 11 قتيلا من الجنود والشرطة، وكانا يطاردان سيارات الدوريات ويطلقان النار من بعد متر أو اثنين.
قتال الوجه للوجه هو ما يتفاداه الإسرائيليون دوماً، ولهذا يعتمدون على القصف او المباغتة ولذلك لا يتقدم المشاة إلا برفقة قلاع فولاذية مثل دبابة الميركافا التي يصل وزنها إلى 80 طناً. عوامل كثيرة امتصت القدرات القتالية لدى الفلسطينيين، لعل أهمها قلة التدريب وانعدام الحوافز الداخلية، وندرة السلاح،وكثرة الميليشيات وانعدام التنسيق بينها، وأحيانا الاقتتال فيما بينها.
ففي أثناء الاجتياحات الإسرائيلية والقصف المدمر لغزة تواصلت الحرب بين عناصر من حماس وعناصر الأمن الوقائي وقتل عدة أفراد من الأمن الوقائي وكأن الحرب الإسرائيلية لا تكفي. ولعل الوضع الفلسطيني برمته يحتاج الى إعادة نظر سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً. فالقيادة السياسية هي التي تزرع الأمل او اليأس والإحباط، ولعل فرار المسلحين أمام دوريات الاحتلال في شوارع المدن التي تدخلها وعدم اشتباكهم معها يزرع الإحباط في نفوس الجمهور الفلسطيني، ويفرغ روح التحدي والتصدي.
وقد عملت السلطة على تفريغ شحنات النضال في النفوس ببذلها المناصب والعطايا ومحاولتها إبعاد كثير من المقاومين عن المقاومة بمنحهم درجات وظيفية والخ، كما عمل التنافس الفصائلي أو التناحر على توجيه الأنظار نحو الاقتتال الداخلي وساد الإحباط النفوس، وتمزق النسيج السياسي للوحدة الوطنية وصارت هناك ازدواجية في القرار، وانسحب هذا الانقسام على الشارع.
بعد نشر المقال اتصل بي كثيرون يشيدون بالملاحظات التي وردت حول الأداء القتالي الفلسطيني ومقارنته بمقاتلي حزب الله، أحدهم من نابلس ثمن النقد الذاتي للأداء الفلسطيني وهو نقد غائب عن الساحة الفصائلية. وسألته ولكن ما الذي يحدث في نابلس فخلال شهر اعتقل الإسرائيليون أربعة شبان كانوا في طريقهم لتنفيذ عمليات استشهادية وكان الاعتقال يجري على حواجز يقيمها الاحتلال صباحاً ويعلن الاستنفار ثم بعد ساعات يعتقل الشبان؟
فرد انه يوم أمس توجه شاب عبر الجبال من نابلس سيراً على الأقدام في طريقه لتنفيذ عملية فوجد جنود الاحتلال ينتظرونه في الجبال! إنه الاختراق الإسرائيلي للفصائل أيضاً. فمن يتعظ ومن ينتقد يتهم بالخيانة، إذ أن المطلوب كما يبدو ألا نتعلم من تجربة «حزب الله» ونبقى على طريقة «حسب الله».
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين
