تعدَّدت الأسباب والموت واحد في هذه الأقطار العربية الثلاثة، فمنذ أمد بعيد وشعوبها تعاني حروباً مستمرة من الداخل والخارج. فلسطين استُبيحت أرضها ويُقتل شعبها منذ أكثر من ستين عاماً على الاستعمار الصهيوني المدعوم من الولايات المتحدة والغرب عموماً، والشعب الفلسطيني متمسك بأرضه يقاوم العدوان بصموده وصبره وبوسائل المقاومة المتاحة له من سلاح وحجر،

وأثبتت الأيام أن الذين كانوا يلهثون وراء ما يُسمى بالسلام مع العدو الذي يحتل الأرض ويضطهد الشعب، إنما يلهثون وراء سراب ومهزلة أريد لها أن تكون ملهاة لبعض العرب كي يثبت العدو وجوده وينفذ مخططاته، ويفرض إرادته كأمر واقع على أمة ثكلى مثخنة بالجراح والأمراض المستعصية.

وليس المجال هنا للغوص في أعماق التاريخ لنبحث هزائمنا وضعفنا كعرب، ولكن المهم القول إن شعباً احتُلّت أرضه عامي 1948 و1967 بقي صامداً حتى اليوم سينتصر ويحصل على حقوقه، فالشعوب لا تموت. والأمر الآخر الذي علينا أن نواجه به أنفسنا بشيء من الوضوح والصراحة هو ضعف هذه الأمة العربية وتشرذمها وهوان إرادتها حتى رأى العدو فرصته التاريخية بالعدوان عليها وتحديد وجودها.

الأمر الثالث الذي لا بد من الوقوف عنده هو أن إسرائيل قد أصبحت أمراً واقعاً على الأرض التي أقامت عليها كيانها عام 1948، وأصبح مستحيلاً إزالته وعودة فلسطين كاملة إلى أهلها. وأن الممكن الذي يجب أن يحققه الفلسطينيون والعرب هو إقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية التي احتُلَّت عام 1967 على الرغم من صعوبة تحقيق ذلك.

ودائماً يكون هناك عامل في علم الغيب هو المتغير التاريخي الذي قد يقلب الموازين، ويغير من الصورة النمطية التي نحياها ليفرض واقعاً جديداً، بيد أن هذا المتغير قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً لكنه يحدث في كل زمان ومكان. وعلى الرغم مما نراه من اختلاف بين قضايا البلدان العربية الثلاثة: فلسطين ـ العراق ـ لبنان، إلا أن هناك المشترك في مآسي هذه الدول العربية، فهي تواجه صراعاً مزدوجاً داخلياً وخارجياً. وقد يبادر البعض بالقول ان ذلك ينطبق على العراق ولبنان، لكنه لا ينطبق على فلسطين التي تواجه إسرائيل.

لا نريد أن نصدر أحكاماً من بعيد عن حقيقة الوضع في فلسطين، فهذا شأن شعبها، بيد أنه من الغريب أن الثورات الناجحة في العالم قد وحدت قواها الوطنية من جبهة واحدة على اختلاف توجهاتها واتجاهاتها، ولنا في تجارب التاريخ الكثير مما يدل على ذلك: فيتنام والجزائر مثلاً، فقد تحالفت واتحدت كل القوى الوطنية في هذين البلدين، القوميون والمستقلون والماركسيون والمتدينون والليبراليون ومن كل الطبقات الاجتماعية والبورجوازية والوسطى والعاملة، لمواجهة العدو المشترك: الاستعمار. ونجحت وحدة تلك القوى في هزيمة قوى عالمية تفوقها في الإمكانيات على كل المستويات، وحققت استقلالها.

فماذا نرى في فلسطين اليوم؟ عشرات التنظيمات السياسية والفدائية يربط بعضها ببعض خيط رفيع وعلاقة هشة لا ترقى إلى الاندماج الفعلي، لكنها تملك خطاباً مجلجلاً يدعو أول ما يدعو للوحدة الوطنية! لو تصورنا جدلاً أن جبهة فلسطينية واحدة قامت اندمجت وانصهرت فيها كل القوى الوطنية الفلسطينية، ليس بطريقة منظمة التحرير، بل بصيغة ومنهج آخر أرقى وأفضل، لتغير الحال واقتربنا أكثر من تحقيق الأهداف.

أما العراق الذي كانت تحكمه ديكتاتورية فرد لأكثر من ثلاثة عقود، أيام حزب البعث، فقد دمرت إمكانياته وقواه وكذلك قيمه وتراثه الوطني العريق، ثم سقط ذلك النظام لتلعب يد الأميركان وغيرهم في وحدة العراق لتصبح فيه ديكتاتورية من نوع آخر هي ديكتاتورية الميليشيات المسلحة ذات الواجهات السياسية، التي تركز على السلطة أكثر من البناء والوحدة والتقدم والاستقرار وعودة المهاجرين.

العراق الذي يعيش حرباً أهلية غير معلنة قد تم تقسيمه فعلياً ولم تبق إلا خرائط ذلك التقسيم، فنحن أمام وضع طائفي وعرقي خطير في العراق يضرب بالعراق وستكون له آثار على المنطقة لما يتمتع به العراق من موقع استراتيجي وإمكانيات هائلة كنا نأمل بعد سقوط النظام الديكتاتوري أن يكون واحة للحرية والديمقراطية، وأن يكون يابان العرب.

فالأمن غير مستقر والناس تقتل على الهوية، ومسرحية محاكمة ديكتاتور العراق وزمرته مستمرة، والاحتلال لا يزال جاثماً على صدر العراقيين والتنمية معطلة، والقوى السياسية استنزفت وقتاً طويلاً في جدلها حول المناصب والمواقع، وتتدخل قوى ودول من خلف حدوده في شؤونه الداخلية كل له أجندته وأهدافه، وطالت محنته.

والقطر العربي الثالث المنكوب هو لبنان، بلد مر بعدة حروب أهلية، وواجه العدوان الخارجي عدة مرات، وكان في فترات من التاريخ المعاصر واحة الحرية والديمقراطية رغم طائفيته السياسية. لكن لبنان هذا البلد الصغير مساحة والقليل في عدد سكانه كان ولا يزال كبيراً في موقعه الاستراتيجي وفي شعبه الحضاري، وفي طبيعته الرائعة.

لم يترك هذا البلد وشأنه فإن انتهت حروبه الأهلية الداخلية يأتيه العدوان من الخارج آخرها حرب شاملة أعلنتها إسرائيل عليه ودمرت ولا تزال بنيته التحتية التي بنيت في عشرات السنين ويقتل شعبه دون ذنب، ويدمر اقتصاده، والمذهل أننا في زمن غريب عجيب يجري هذا العدوان السافر والصارخ بتشجيع دولي وبصمت وتخاذل عربي، تحت مبررات دولية تتهم المقاومة بالإرهاب، ومبررات عربية تتهم المقاومة بالطائفية!

ومستقبل المشرق العربي بنبئ عن تطورات وتحولات كبيرة، البعض يرى أنها ستكون كارثية وآخرون يرون بأنها ستكون إيجابية تنقل العرب إلى مرحلة جديدة من السير في طريق مشروع النهضة من جديد. نحن أولاً أمام مخطط ومشروع أميركي إسرائيلي لما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، ويبدو أن معالمه وأهدافه أبعد كثيراً مما أثير قبل سنوات حول مشروع بيريز للشرق الأوسط الكبير.

فالمشروع الجديد الذي بدأ بالإفصاح عنه أميركياً جاء إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان هذه الأيام، ويبدو أن خريطة جديدة تعد للمنطقة، وتقسيماً لعدد من الدول الرئيسية فيها على أساس عرقي وطائفي، وهو إحياء لمشروع إسرائيلي صاغه أستاذ في الجامعة العبرية هو بروفيسور أود وتبنته الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الثمانينينات من القرن العشرين.

إن ملامح المشروع الأميركي الإسرائيلي هو خرائط جديدة لدول صغيرة جديدة في الشرق الأوسط، والقضاء على بؤر المقاومة تحت ذريعة الإرهاب، وإنهاء القضية الفلسطينية والإجهاز عليها نهائياً، وإنهاء الأنظمة المعادية لإسرائيل وأميركا في المنطقة وفرض التبعية الكاملة للولايات المتحدة والتحكم بالنفط، وبعدها تصبح إسرائيل القوة الكبرى في الشرق الأوسط والمهيمنة على أرضه ومياهه ونفطه.

والمراهنون على فشل هذا المشروع يعوِّلون على النهوض العربي الجديد وانتصار المقاومة وصحوة الشعوب العربية من جديد، للضغط باتجاه إحداث تحولات إيجابية تضع حداً للمشاريع المعدة لتفرض على المنطقة. إن المستقبل يخبئ الكثير، فهل يستفيد العرب من دروس التاريخ أم يضيعوا كما ضيعوها من قبل؟

كاتب كويتي