في حين أن القاعدة الحاكمة في الحروب العسكرية هي تركيز طرفي القتال على إلحاق الهزيمة العسكرية بالطرف الآخر تحقيقاً للأهداف السياسية لكل طرف بغض النظر عن حجم الخسائر المادية والبشرية، ومهما تبدلت نتائج المعارك ومهما طال أمد الحرب. وفي حين أن النتيجة المنطقية في الحروب العسكرية أن من يملك أدوات القوة، ووسائل القتال الأحدث والأكثر عدداً، وأعداد المقاتلين الأكثر، فهو الأقدر على تحديد نتيجة الحرب، وعلى حسم نتائج المعارك لصالحه بما يمكنه في أقصر وقت من إنهاء الحرب وفرض شروطه السياسية على الطرف الآخر.
وفي حين أن القاعدة الطبيعية في الحروب العسكرية هي أن الأكثر قدرة وكفاءة عسكرية، هو الأكثر قدرة على قتل أكبر عدد من أعدائه العسكريين، والأكثر قدرة على تدمير آلته العسكرية لشل قدرته على مواصلة القتال، واضطراره إلى الاقتناع بالهزيمة، والتسليم بشروط العدو.
وفي حين أن الحرب النظيفة تختلف كثيراً عن الحرب القذرة، حيث نظمت المعاهدات الدولية ومبادئ القانون الدولي قواعد الحرب وحددت جرائمها، وأوضحت ما هو محظور وما هو مباح فأصبحت الجيوش في الحرب النظيفة تحتفظ لنفسها بشرفها العسكري، ومبادئها الأخلاقية سواء في النصر أو في الهزيمة.
وأضحت الجيوش القذرة التي تمارس حرباً إجرامية قذرة تفقد شرفها العسكري، وتكشف عن إفلاسها الأخلاقي سواء في حالات النصر أو الهزيمة. في حين أن كل تلك القواعد هي الحاكمة والمنطقية والطبيعية والنظيفة للحروب العسكرية بدءاً من مشروعية أهداف أية حرب، ومروراً بمشروعية وسائلها ونهاية بعدالة نتائجها، فإن مشاهد الحرب العدوانية الإرهابية الصهيونية المجنونة على فلسطين ولبنان لا يمكن أن تندرج تحت أي قاعدة من هذه القواعد التي تعارفت عليها البشرية، سواء في حرب الفرسان أو سلام الشجعان.
إذ لا يلوح لآلة التدمير والتخريب والقتل والإجرام الإرهابية الصهيونية أي أمل في تحقيق شروطها السياسية سواء على المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية، عندما لم تتعلم من تجاربها الفاشلة على مدى السنوات السابقة سواء مع شعب فلسطين المقاوم أو شعب لبنان المقاوم، حيث كان الفشل في كل مرة حليف جيشها المهزوم رغم جبروت آلة التدمير والتخريب والقتل العسكرية.
إذ فشلت في جنوب لبنان في إنهاء المقاومة ضد احتلالها للأرض العربية أكثر من مرة، سواء في مواجهتها لمقاومة منظمة التحرير الفلسطينية أو للمقاومة الوطنية اللبنانية، أو لمقاومة مقاتلي حزب الله الإسلامي.
وفي كل مرة تتصور أنها حققت أهدافها بإبعاد الفلسطينيين عن الجنوب، وجدت نفسها تواجه اللبنانيين في الجنوب، وحين بلغ غزوها إلى حد حصار بيروت، وانضمت إليها قوة مشاة الأسطول الأميركية.. وجدت نفسها في مواجهة المقاومة الإسلامية اللبنانية التي أجبرت الأميركان على الفرار بعد ضربتين موجعتين للسفارة ولمقر قيادة القوات. وأجبرت المقاومة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية والمدعومة بالقوات السورية وبتكاتف الدول العربية، المجتمع الدولي على إصدار القرار 425 الذي أدان العدوان ودعا إسرائيل إلى الانسحاب الفوري إلى خط الهدنة.
وحينما تلكأت إسرائيل وتحدت القرار الدولي والإرادة الوطنية اللبنانية، واستقرت في جنوب لبنان لحماية أمن شمال إسرائيل بمساعدة عملائها من ميليشيا «أنطوان لحد»، وجدت نفسها في مأزق أكبر تحت ضربات المقاومة اللبنانية بقيادة حركة أمل وحزب الله، ما أجبرها على قبول الهزيمة والانسحاب المهين لجيشها وعملائها من جنوب لبنان في عام 2000 في أعظم انتصار للمقاومة ضد جيش الاحتلال.
لم تتعلم إسرائيل بغباء عسكرييها وقصر نظر حماتها من الساسة الموتورين في واشنطن، وتعاود هذه المرة أن تجرب وسائلها الأخرى في أسوأ حرب قذرة فاقت جرائم النازية والفاشية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني ومن غزة إلى بيروت، ومن لبنان إلى غزة والضفة الغربية، تشن حربها الإجرامية لتفقد أي شرف عسكري، وتفضح إفلاسها الأخلاقي وتؤكد طبيعتها الإرهابية الشريرة أمام العالم كله. وفي مشاهد هذه الحرب اللاإنسانية الإرهابية يكاد يكون كل الضحايا من المدنيين اللبنانيين الأبرياء العزل غير المقاتلين بينما القاعدة أن يكون معظم الضحايا من العسكريين وبعض الضحايا من المدنيين.
وفي مشاهد هذه الحرب تجري مشاهد القتل اللاإنساني الإجرامي غير القانونية بعيداً عن كل أساليب القتال التقليدية في الحروب العسكرية وقوعاً في جرائم الحرب، وإرهاب الدولة. ومع ذلك كله ساعد الغباء الإسرائيلي وقصر النظر السياسي الأميركي على تحويل نتائج هذا الجنون الإرهابي إلى عكس النتائج المطلوبة منه.. لتطوق المقاومة بأكاليل الزهور وتلحق بالمعتدين الفاشلين الأشرار العار.. كل العار.
mamdoh77t@hotmail.com