لا مجزرة قانا الثانية المروعة، ولا مجازر مروحين وعيترون وصور، ولا جرائم القصف الوحشي على قرى الجنوب والبقاع والشمال، ولا الغارات الهمجية على بيروت والضاحية الجنوبية، ستغير شيئا من واقع الهزيمة السياسية والعسكرية التي منّي العدوان الاسرائيلي الاجرامي بها والذي لم يراعٍ أبسط الحقوق الانسانية، ولم يلتزم بادنى المواثيق الدولية· الحقيقة اصبحت واضحة للعيان أمام جميع المراقبين بمن فيهم المراقبون والمحللون الاسرائيليون الذين بدأوا يمطرون حكومتهم الغبية، وقيادتهم العسكرية بوابل من الانتقاد والتشكيك بجدوى الخطة الاسرائيلية التي اعتمدت في ادارة "الحرب المفتوحة" ضد لبنان·

الحقيقة تحولت واقعا مريرا امام ناظرة السياسة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التي اضطرت الى الاعتراف بشكل غير مباشر بفشل الهجوم الاسرائيلي على وطن الارز، عندما اعلنت بأن الوقت قد حان لاعلان وقف النار·

لم تنفع المحاولات الاميركية الخبيثة بتمديد مهل الحرب لاولمرت وزبانيته اسبوعا بعد اسبوع، في تغيير موازين الواقع العسكري على الأرض: الحرب دخلت يومها العشرين والجيش الاسرائيلي صاحب الشعار الشهير "الجيش الذي لا يقهر" لم يحقق اي انجاز عسكري ميداني، رغم كثافة النيران المستخدمة ورغم استمرار الغارات على مدار الساعة ليلا ونهارا، بل على العكس لقد سقطت اسطورة "الجيش الذي لا يقهر" واستطاع المقاومون الاشاوس توجيه ضربات موجعة للاسرائيليين بحرا وبرا وجوا، تحولت الى نكسات متتالية عسكريا وسياسيا، واربكت قيادة العدو على مدى الايام الاخيرة، واحبطت "قوات النخبة" الاسرائيلية بعد الخسائر الفادحة التي اصابت لواء الغولاني في مارون الراس وبنت جبيل ومحيط الطيبة·

لقد ربح لبنان الرهان في اشرس مواجهة عسكرية مباشرة مع العدوان الاسرائيلي، لان المقاومين الابطال صمدوا في جبهات القتال، واوصلوا ردهم الرادع الى العمق الاسرائيلي من جهة، ولان الجبهة الداخلية اللبنانية التحمت بين أطرافها بسرعة، وبشكل فاجأ العدو نفسه، وخاض اللبنانيون المعركة الشرسة صفا واحدا وصوتا واحدا ويدا واحدة على الزناد في ميدان المعركة، وفي بلسمة جراح المصابين والنازحين والمهجرين·

ولا بد من الاعتراف بأن وقوف كل القوى السياسية بما فيها حزب الله، مع الادارة الشجاعة والحكيمة التي تجسدت بالتعاون والتنسيق الكامل بين الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة، في مختلف مراحل الازمة، والتي بلغت ذروتها صباح امس في المؤتمر الصحافي المشترك لاعلان موقف واحد وحازم للرد على مجزرة قانا الثانية، نقول لا بد من الاعتراف بأن هذه الادارة المشتركة للملفات السياسية والدبلوماسية المتفرعة عن الحرب قد لعبت دوراً اساسياً بل مصيرياً في تعزيز وحدة اللبنانيين، واحباط محاولات اللعب على تناقضاتهم الداخلية·

وهنا لا بد من التنبيه الى ضرورة اتخاذ كل ما يلزم من خطوات واجراءات لتحصين الوحدة الداخلية، وعلى ان يتحمل كل طرف سياسي، وكل حزب، وكل فئة، المسؤولية الوطنية التاريخية للوقوف سداً منيعاً امام محاولات التدخلات الخارجية الهادفة الى تحريك جمر الخلافات اللبنانية السياسية والطائفية التقليدية، واغراق البلاد والعباد في مسلسل من أعمال الفوضى المدمرة·

لقد اثبتت تجاربنا المريرة مع العدو الاسرائيلي ان تل ابيب لن تسلم بسهولة بالخسارة السياسية وهي لن تألو جهداً في تقويض النصر اللبناني غير المسبوق في تاريخ الحروب العربية - الإسرائيلية، من خلال محاولات التسلّل الى الداخل اللبناني مجدداً، وإشعال نيران الفتن الطائفية والمذهبية·

والتصدّي لمثل هذه المحاولات تبقى مسؤولية وطنية منوطة بكل طرف سياسي وحزبي ناشط على الساحة اللبنانية، ولعل مسؤولية حزب الله بالذات تكون مضاعفة في هذا المجال بصفته الطرف الأقوى بعد خروجه من الحرب منتصراً، ولأنه الطرف الوحيد الذي ما زال يحمل سلاحه·

إن أقصر الطرق وأكثرها فعالية للحفاظ على تماسك جبهتنا الداخلية، وحمايتها من المخططات الفتنوية الخبيثة، هو الالتفاف جميعاً حول الدولة ومؤسساتها الشرعية: من حكومة ومجلس نواب ومؤسسة عسكرية، طالما أن جميع الأطراف السياسية والحزبية الفاعلة ممثّلة في المؤسسات الشرعية، وهي بشكل أو بآخر تشارك في اتخاذ القرارات المصيرية·

ولا يفوتنا الاشادة بحكمة السيد حسن نصر الله وشجاعته عندما أهدى النصر الى جميع اللبنانيين الذين تحمّلوا ممارسات العدوان الوحشية والتدميرية، مطمئناً القوى السياسية والمرجعيات الطائفية بأن انتصار المقاومة على العدو هو انتصار للبنان، لكل اللبنانيين، وليس انتصاراً لطائفة بعينها أو لحزب وحده·

إن التفويض الممنوح للحكومة ورئيسها، وللرئيس نبيه بري لإدارة مفاوضات تنفيذ "خطة السنيورة في مؤتمر روما، او البنود السبعة التي ترتبت موضوعاتها بعد مناقشات داخلية مستفيضة، وعلى ضوء التعاون والتنسيق بين الرئيسين بري والسنيورة، ان هذا التفويض يجسد وحدة الموقف اللبناني، المشدد على معالجة كل جذور ومسببات الحروب اللبنانية - الاسرائيلية، والوصول بالبلاد والعباد الى شاطئ الامان، من دون التفريط بذرة واحدة من المطالب اللبنانية المحقة، بدءاً من اطلاق الاسرى، الى تحرير مزارع شبعا، الى وقف الانتهاكات والتدخلات الاسرائيلية بالشؤون اللبنانية، الى تسليم خرائط الالغام الاسرائيلية في الاراضي اللبنانية·

إن اي تشويش او تشكيك بقدرة المفاوض اللبناني وثباته على المبادئ الوطنية من شأنه ان يتيح الفرصة المناسبة للاختراقات الاسرائيلية الهادفة الى تقويض النصر اللبناني التاريخي·

ولعل قيادة "حزب الله" اكثر الاطراف اللبنانية وعياً واستيعاباً لاهمية خوض المعركة الدبلوماسية الشاقة المقبلة صفاً واحداً، تماماً كما كان الحال خلال المعركة العسكرية الشرسة، وذلك لقطف ثمار الصمود البطولي للمقاومة وللشعب اللبناني بكامله، والانصراف الى بناء الدولة العادلة والقادرة، وإعادة اعمار ما خربه العدوان الاسرائيلي الآثم·

وليكن الرد على العدوان وعلى المجازر بمزيد من الوحدة والتلاحم الوطني·