على مدى 23 يوماً تواصل اسرائيل عدوانها الهمجي ومجازرها البشعة ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني حيث يسقط نتيجة لذلك المدنيون الأبرياء وفي مقدمتهم الأطفال والشيوخ والنساء دون أن يحرك المجتمع الدولي وتحديداً مجلس الأمن ساكناً لوقف اطلاق النار والضغط على اسرائيل لإيقاف عدوانها السافر.

ومن المؤسف أن الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يفترض منها كدولة عظمى ان تلعب دور الوسيط النزيه القادر على التأثير من أجل تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة نجدها تتخذ موقفاً معاكساً لذلك بانحيازها التام لاسرائيل بل واتجهت بارادة متصلبة سواء في مجلس الأمن أو خارجه إلى افشال أي جهود تبذل من أجل وقف نزيف الدم ووضع حد لذلك العدوان الوحشي الاسرائيلي الذي يثير كل يوم لدى الشارع العربي والإسلامي المزيد من مشاعر الغضب ليس على اسرائيل وحسب بل وعلى الولايات المتحدة الأمريكية المتهمة بالوقوف والانحياز الأعمى وغير المبرر للدولة العبرية.. ويتعدى الأمر إلى صب جام غضبها أو ابداء عدم رضاها عن أية دولة تعبر عن موقف صادق وشجاع إزاء التطورات المحزنة التي تشهدها المنطقة على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد ظلت تبشر باشاعة مناخات الديمقراطية في المنطقة وتشجيع دولها على الأخذ بالخيار الديمقراطي باعتبار ذلك من أبرز ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي تقوم بالترويج له وتسعى إلى فرضه على الشعوب قناعة أو قهراً.

ومع كل هذا فإن ما يثير الاستغراب أن ممارسة الديمقراطية في هذه الدول تصبح آخر ما يمكن الاقتناع به بمجرد تقاطع مواقفها مع الموقف والمصلحة الأمريكية على الرغم مما تبذله الولايات المتحدة من جهود لتسويق مشروعها الديمقراطي سواء عن طريق المؤتمرات والندوات الاقليمية أو من خلال تلك المعاهد التي تنشرها في بعض دول العالم ومنها المعهد الديمقراطي والمعهد الجمهوري بهدف تعليم الشعوب والأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة كيفية الممارسة الديمقراطية وتحقيق التحولات المنشودة في المنطقة وضمن ذلك المفهوم الديمقراطي الأمريكي الذي يتعامل مع الديمقراطية من كونها ليست أكثر من «شور وقول» وأن لها حدوداً لا ينبغي تجاوزها خاصة عندما يتعلق الأمر باسرائيل.

في حين أن الأحرى بالولايات المتحدة أو غيرها من الدول ذات الثقل والتأثير

العالمي أن تنصح اسرائيل بأن تمترسها وراء منطق القوة والآلة العسكرية واغلاق منافذ الحلول والمعالجات السلمية في سياساتها إنما يعود إليه السبب المباشر في ما تموج به المنطقة من احتقانات وتداعيات خطيرة.. وانها باعتداءاتها على أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني واستهدافها لحياة الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء انما تؤجج بذلك مشاعر الغضب عليها وعلى من يقومون بدعمها سياسياً وعسكرياً ومعنوياً.

وما من شك أن العلاقات اليمنية - الأمريكية هي علاقات صداقة وتعاون تقوم على أساس الاحترام المتبادل والشراكة المثمرة التي تعود بالنفع على البلدين وكذا في خدمة أهداف الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم، وقد حقق التعاون اليمني - الأمريكي نتائج إيجابية وملموسة سواء في ما يتصل بتعزيز العلاقات والمصالح المشتركة على المستوى الثنائي أو في ما يتعلق بجهود مكافحة الإرهاب وفي المقابل تظل لليمن مواقفها القومية والإسلامية والإنسانية التي تنطلق من الثوابت الوطنية للشعب اليمني ومصالح أمته العربية والإسلامية..

ومثل هذه المواقف التي لا تفرط فيها اليمن يتم التعبير عنها بوضوح وشفافية في إطار النهج الديمقراطي الذي انتهجته اليمن إلى جانب ما يمليه عليها الضمير الوطني والإنساني حيال تلك المجازر البشعة والانتهاكات اللا إنسانية التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني ويشجعها على ذلك الموقف الأمريكي المتعصب المساند لها على الدوام.

وبالتالي فليس من حق البعض في الولايات المتحدة الأمريكية أن يعترض على مثل تلك المواقف اليمنية أو يتحسس منها أو يؤاخذ بلادنا عليها لأنها تعبير صادق عن ضمير الشعب اليمني الذي تستفزه إلى جانب اخوانه من أبناء الشعوب العربية والإسلامية تلك المشاهد المحزنة والمؤلمة التي تتناقلها شاشات الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى لأطفال وأبرياء تسحقهم الصواريخ والقنابل المشعة والعنقودية في صورة يهتز لها كل ضمير حي في العالم.. وعلى أولئك الذين يحتجون في الولايات المتحدة أن يتقبلوا أي موقف مغاير لمواقفهم في إطار الديمقراطية التي يدعون إليها ويحثون على ممارستها بما تكفله هذه الديمقراطية من حق التعبير عن الرأي بكل حرية وشفافية وشجاعة والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

وما ينبغي إدراكه أن استمرار العدوان الاسرائيلي المتصاعد ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني لن يؤدي سوى إلى المزيد من التوتر والتدهور والاشتعال في المنطقة مما سينعكس في تقويض الجهود المبذولة من أجل مكافحة الإرهاب، إذ أن استمرار الاعتداءات الاسرائيلية والتي تأتي مترافقة مع الشعور المتزايد بالإحباط وكذا غياب العدالة الدولية تعد من العوامل التي تهيئ الفرصة أمام قوى التطرف والإرهاب لاغراء الشباب العربي والمسلم بثقافة التطرف والزج بهم في مستنقعات العنف والإرهاب، ومثل هذه المسلكيات تغدو وبالاً على الأمن والاستقرار الإقليمي والإنساني، وهو ما يتوجب أن يتنبه له المجتمع الدولي انطلاقاً من الاسراع في تحمل مسؤولياته في وقف الغطرسة الاسرائيلية التي تدفع بالمنطقة نحو كارثة حقيقية تأكل الأخضر واليابس كما أن على الأمم المتحدة أن تنأى بنفسها من أن تكون مظلة للعدوان وقمع الشعوب التي تناضل من أجل نيل حقها في الحرية والاستقلال تحت حجة مكافحة الإرهاب، خاصة وأن ثمة فارق شاسع بين الإرهاب وحق الشعوب في مقاومة المحتل لكون ذلك حقاً مشروعاً كفلته كافة الشرائع والمواثيق الدولية.