بدت الدولة العربية الوطنية أو القطرية التي نشأت في ظروف الهيمنة والاستقطاب ومدافع الحرب العالمية الأولى مسخاً من دولة الحداثة الغربية من حيث مؤسساتها ومفاهيمها وناقصة عن الدولة السلطانية من حيث سيادتها. فقد كان على هذه الدولة عملا بمنطق السبب والنتيجة ان تقدم مصوغات لوجودها وتبريرات لاستمراريتها ولذا فقد تبنت بعضا من مفاهيم دولة الحداثة ووظائفها ورفعت في الوقت نفسه شعارات تستجيب لجملة من أطروحات الخطاب الانبعاثي فحددت لنفسها وظيفة تحديث المجتمع بما لا يتعارض مع مفاهيم الأصالة

واعتبرت نفسها أداة للتقدم فسخرت جزءاً من إمكانياتها المتواضعة للتنمية ـ حسب مفهوم كل نظام او صاحب سلطة - وحصلت على نوع من المساعدات والتشجيع من قبل القوى الدولية التى دفعتها للمضي في هذا الطريق وذلك لإضفاء المصداقية على أفعالها في نظر الجماعة التي أصبحت تسمى مواطنين ولإقناعهم بجدوى وجودها ومعقوليته.

لكنها في بعض الحالات وحسب توجهات نظامها السياسي حاولت ان تتطلع الى ابعد من هذه الوظيفة فاصطدمت بالمصالح الحيوية للقوى الكبرى في المنطقة وهي القوى نفسها التي كانت خلف وجود هذه الدولة وتخطيط حدودها فعندما تشعر هذه القوى بأن مشاريع هذه الدولة وطموحاتها قد تجاوزت الخطوط الحمراء والحد المسموح به لتلعب دورا إقليميا في إطار بعض أطروحات الخطاب الانبعاثي وهو بالطبع طموح يتناقض مع استراتيجيات الهيمنة والاستتباع التي تحرم هذه القوى أي مساس بها او تعديلها ولهذا فإن ردها على مثل هذه المحاولات هو التحجيم والتدمير الكامل لتلك الإمكانيات التي كانت وراء تلك التطلعات.

رغم ان هذه الدولة تبنت شعار المحافظة على الهوية والشخصية العربية والعمل على بعث الأمة بمفهومها القومي او الديني وهو ما يعني في مفهوم الخطاب السياسي المعلن تحقيق الوحدة العربية والتي تعتبر عصب الأطروحة المركزية في الخطاب الانبعاثي بيد انها في واقع الأمر كانت تعمل برغبة من الفئات الحاكمة وبمشيئة القوى الدولية على تجذير بنياتها الهشة

وعقلنة وجودها في مواجهة فكرة الدولة القومية وذلك من اجل ان تخلق لنفسها خصوصية متميزة وهوية وطنية لتبرير ولادتها غير الشرعية من المنظور القومي ولكن هويات الشعوب ليست مجرد قرارات سياسية تصنعها مشيئة الحكام ولهذا فقد وجدت هذه الدولة نفسها تقتات على إرث الأمة الثقافي والتاريخي فبدت هذه الدول التي تدعي هويات خاصة بها مع اشتراكها جميعها في هذا الإرث مثل جماعة من الأشخاص الذين يتغطون برداء واحد وكل منهم يدعي اختلاف وفرادة الجزء الذي يغطيه.

لقد حاولت الدولة الوطنية خلق هوية وطنية ومشاعر ولاء عن طريق قيامها بدور مؤسسة التجهيز وتقديم الخدمات اي لعب دور أساسي في حياة الفرد الاقتصادية وتعاظم هذا الدور بالقدر الذي جعلت فيه مصادفات الطبيعة هذه القطعة من الأرض او تلك غنية بثروة طبيعية ولكن نظرا لان النموذج الغالب للدولة القطرية العربية يتشكل من قوى اجتماعية هي القبيلة او الطائفة او الجهة فإن هذه الدولة لم تستطع ان تحول هذه القوى الى امة

رغم أنها صارت تمتلك السيادة القانونية وعلما يخفق وجهاز سلطة يمارس بكفاءة أفعال القمع والضبط والرقابة فالبعد القبلي او الطائفي او الجهوي جرى توظيفه عند نشأة هذه الدولة ليكون المبرر والقاعدة التي تستند عليها هذه المؤسسة الجديدة التي لم يكن الفرد العربي على معرفة سابقة بها ولا بما تمثله من رموز ومعان وما تفرضه من قيود على الحركة والانتماء.

ولكن الدولة أيضا ليست مجرد جهاز إداري يدير حياة جماعة من الناس بل يلزمها مبررات تاريخية واجتماعية وثقافية من منظور المفهوم القومي الذي برر ظهور الدولة الوطنية في الغرب وهذا ما جعل من هذه الدولة - كما سنرى -سببا من أسباب أزمة هوية الفرد العربي ذلك انها في محاكاة فاشلة للدولة الوطنية في الغرب جاءت بعدد من المفاهيم وحاولت ان تخلق جملة من الوقائع على الأرض فكان ذلك نوعا من التناقض بين الهوية التي سعت هذه الدولة لبنائها وبين الفكرة التي لدى الفرد عن هويته ومن هنا تأزمت العلاقة بينهما على صعيد الانتماء والولاء.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي