أثارت الفتوى المنسوبة إلى الشيخ عبدالله بن جبرين حول تحريم تأييد حزب الله في حربه ضد إسرائيل، الكثير من الاستغراب والدهشة والاستهجان، ليس فقط بين جموع المثقفين العرب، بل أيضا بين العديد من المشايخ الآخرين الذين عارضوا فتوى ابن جبرين.واللافت للنظر هنا أن هذه الفتوى قد جاءت في وقت تحقق فيه المقاومة اللبنانية انتصارات لا يمكن التقليل من شأنها،
سواء على مستوى الحرب البرية التي هربت منها إسرائيل أو على مستوى إطلاق الصورايخ المتواصل على الحدود الشمالية للدولة العبرية البربرية. كما أن هذه الفتوى قد جاءت في وقت يلتف فيه اللبنانيون صفا واحدا دعما للمقاومة وتجنبا للفتنة وإشاعة حرب أهلية ثانية بينهم. فاللبنانيون اليوم في أشد الحاجة للدعم المادي والمعنوي الذي يشد أزرهم ويدعم وحدتهم تلافيا لتحقيق هدف العدو الصهيوني الراغب في تجزئة لبنان وتفتيته، ناهيك عن تفتيت العالم العربي برمته.
وخطورة هذه الفتوى والفتاوى الأخرى المتوافقة معها أنها لم تنبن على أية دعاوى وأسس منطقية يمكن قبولها أو حتى مناقشتها، بقدر ما انبنت على دعاوى وأسس تثير الفرقة بين المسلمين وتساعد على تفتيتهم وتمزيقهم، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى التوحد والتآزر وتجنب الفتن والدسائس والمؤامرات. ارتكزت هذه النوعية من الفتاوى على إثارة الفرقة بين الشيعة والسنة، وإثارة نعرات قديمة عفى عليها الزمن، بديلا عن العمل من أجل تعظيم نقاط الاتفاق فيما بين الطرفين تجنبا للفتنة والتفتت.
لم تقم هذه الفتاوى بنقد الدولة العبرية وجملة ممارساتها الدموية اليومية، بل لم تتناول حتى إسرائيل من قريب أو بعيد. ومن باب التذكير فإن إسرائيل دولة يهودية غريبة على المنطقة العربية، وأن حزب الله وأتباعه مسلمون، يقرأون القرآن ويؤمنون بالرسول ويصلون مثل السنة. وفي الوقت الذي يقاوم فيه حزب الله المسلم الشيعي العدوان الإسرائيلي ارتكن الكثيرون إلى الدعة والخمول والاستسلام.لم نسمع كلمة من هؤلاء حول الضحايا اللبنانيين، لم نسمع كلمة منهم عن قتل الأطفال والنساء، لم نسمع كلمة منهم حول الأسلحة المحرمة التي تستخدمها إسرائيل ضد المدنيين العزل في لبنان، فقط كل ما سمعناه هو تحريم تأييد حزب الله.
وفي مقابل هذه الفتاوى المحزنة صدر العديد من التصريحات والفتاوى المضادة التي جاءت من العديد من العلماء العرب مثل سلمان العودة ويوسف القرضاوي ومفتي مصر والمرشد العام للإخوان المسلمين في مصر، والتي أكدت على حق حزب الله في مقاومة إسرائيل، وعلى ضرورة تأييدنا ومساعدتنا له بقدر الإمكان، تغليبا لمصالح الأمة في مقاومة البربرية الصهيونية العنصرية ضد لبنان. من الممكن للمرء أن يتحمل مثل تلك الفتاوى في أوقات السلم، أما في أوقات الحرب وفي الأوقات التي يتهدد فيها أمن الأمة، وتتحدد مصائرها من خلالها، فلا يمكن تحمل هذا النوع من الفتاوى، بل يتحتم تفنيده والتعرض له، بل ومقاومته.
وبسبب ما يتمتع به علماء الدين في العالم العربي من شعبية كبيرة وتأثير واسع المدى بين عموم المواطنين، فإنه من الضروري أن يدققوا في فتاواهم، ويتأكدوا مما يقولون، بحيث تكون هذه الفتاوى منزهة عن الغرض، وبعيدة كل البعد عن تأثيرات السياسة وألاعيبها. فالشيخ مثل المثقف كلمته محسوبة ومؤثرة بسبب تأثيراتها واسعة المدى التي تحوز القبول بين العامة.
كما أن الشيخ يتمتع بدرجة أكبر من القبول، نظرا لما يحوزه من قداسة وثقة يمنحهما له الأتباع والمريدون. لذلك فإن الشيخ يمتلك تأثيرا كبيرا بما يقول يجعله يجاوز قدرة النظم السياسية على قمعه وتقييده، فهو سلطة فوق هذه النظم بما يمتلكه من قدرة على قول الحق، والتعرض لأحوال الأمة بكل صدق وأمانة وضمير.
وكما تتنوع الاتجاهات والمشارب بين المثقفين، تتنوع أيضا الفتاوى وتتعدد أنواع المشايخ. فهناك الشيخ المقاوم الثوري الذي يحمل كلماته وفتاواه جنبا إلى جنب مع سلاحه في مواجهة القهر والعدوان، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، ولا ترهبه في مقارعة الظلم أنظمة أو حكومات.
ويمنحنا التاريخ الإسلامي نماذج عديدة من هذا القبيل نذكر منهم الشيخ الجليل العز بن عبد السلام الذي رفض ما قام به الملك الصالح إسماعيل الأيوبي من تصالح مع الصليبيين على أن يسلم لهم صفد وقلعة الشقيق وصيدا مقابل أن ينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب. أنكر الشيخ الجليل العز ابن عبد السلام على الملك الصالح ما قام به، ولم يدع له في خطبه، وترك له دمشق مغادرا إياها إلى مصر، فأرسل له الصالح يناشده العودة إلى دمشق، حيث طالبه الموفدون أن يًقبّل يد الصالح عند مثوله بين يديه، فقال لهم الشيخ بعزة وإباء «ما أرضاه يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده! يا قوم أنتم في واد ونحن في واد، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم».
وهناك الشيخ المحافظ الخانع الذي يربط نفسه بالأنظمة والحكومات، يدور في فلكها ويتماهى معها، ويصبح ما يدور في الواقع في واد، بينما هو وفتاواه في واد آخر. وهذا النوع مثله مثل غيره من بعض الأقلام العربية الأخرى التي تواجه حزب الله بالاتهامات والنقد المتواصل، بينما لا تقف موقفا نقديا واحدا تجاه العدوان الأميركي الإسرائيلي على لبنان وفلسطين وباقي أرجاء المنطقة العربية.
من الأسف أن الأنظمة سوف تذهب أدراج الرياح، في الوقت الذي تستمر فيه الشعوب، ومهما طال الزمن سوف يتذكر الناس فتاوى الشيوخ ومقولات المثقفين. وحينئذ سوف يذكرنا التاريخ أنه في عام 2006 نادى البعض بتحريم تأييد مقاومة حزب الله لإسرائيل خدمة لأنظمة بعينها، بينما نادى البعض الآخر بجواز تأييد الحزب وضرورة مساعدته ضد الهجمة الأميركية الإسرائيلية الشرسة على المنطقة العربية.
ساعتها سوف نتذكر الشيخ الجليل العز بن عبد السلام ومن حذا حذوه عام 2006، أما هؤلاء الذين عملوا على إثارة النعرات الدينية وتفتيت الأمة وتثبيط الهمم واجتثاث المقاومة، فربما يأتي التاريخ عليهم عرضا في معرض المقارنة بينهم وبين المقاومين الوطنيين الأطهار.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com