برغم تصاعد أعداد مواكب الشهداء وارتفاع أرقام الجرحى والمصابين وتزايد موجات النازحين، واتساع رقعة الدمار والخراب، ورغم اشتداد الجنون الإسرائيلي، ازداد المأزق الإسرائيلي تعقيداً، وهذا يتطلب تماسكاً من الجبهة اللبنانية الداخلية في إطار التوحد، بوحدة الهدف مع تنسيق الصفوف، بالرؤية الموحدة التي لا ترى عدواً للبنان سوى إسرائيل، ولا ترى منظمة إرهابية على لبنان إلا منظمة الجيش الإرهابي الصهيونية.
يوماً بعد يوم تتحرك مواقف القوى السياسية الوطنية اللبنانية إيجابياً تجاه نوع من الإئتلاف أو الوفاق الوطني حول شعار المقاومة للعدوان الإرهابي الإسرائيلي حتى يتوقف عدوانه. ويوماً بعد يوم تتحرك مواقف العواصم العربية من المحيط إلى الخليج نحو إعادة صياغة مواقفها الملتبسة والمثيرة للجدل غالباً وللدهشة والصدمة أحياناً، بإسقاط تحفظاتها حول ضرورة المقاومة ووقوفاً وراء لبنان كل لبنان، شعباً وحكومة ومقاومة وجيشاً وطنياً، ضد العدوان الإٍسرائيلي الإجرامي. وأصبحت الصورة القبيحة لإسرائيل واضحة أمام الشعوب في العالم وأمام الرأي العام العربي والإسلامي بكل تياراته ودرجاته، متطابقة مع الصورة القبيحة للسياسة الأميركية في عهد إدارتها الحالية.
وأصبح الجيش الصهيوني الذي لا يقهر عارياً وقبيحاً ومفضوحاً أمام الرأي العام العالمي كله، ليس بإرهابه وفقدان شرفه العسكري وبجرائمه فقط، وإنما بعجزه عن الحسم العسكري، وتخبطه وفشل آلته العسكرية القوية وبهزائمه أيضاً. وتفككت المواقف السياسية لمجموعة الثماني بين تمايز للموقف الروسي، وتغير للموقف الفرنسي، وتبلور للموقف الإيطالي، وتفرد للموقف الإسباني بعيداً عن الموقف الأميركي الذي بات معزولاً عن التيار العالمي، ما جعله صغيراً بين الكبار.
وتصاعد تيار الرفض الشعبي والإدانة الدولية حتى في الأمم المتحدة وحتى في مجلس الأمن الدولي، حيث بات حرياً بجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، المطالبة فوراً بعقد اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، لمواجهة الحلف الأميركي الصهيوني وكشف جرائمهما ضد الإنسانية، وجعلهما مجردتين من الفيتو الأميركي الدموي، في مساحة حساب الضمير الإنساني العالمي الذي فاض به الكيل أمام العدوان الصهيوني.
لقد بات واضحاً الآن وخاصة بعد مجزرة «قانا» الثانية من هو الإرهابي الشرير ومن هو المقاوم الشريف، ومن هو العدواني المجرم بالطبيعة، ومن هو المدافع عن أرضه وإرادته والمقاوم بالضرورة. كل الأصابع تشير اليوم بالإدانة والاتهام والكراهية للدولة العبرية التي أصبحت قاعدة مكشوفة للإرهاب السياسي الأميركي ضد الشعوب العربية، لتمرير مشروع «الشرق الأوسط الكبير», لكن الإيمان الذي يتسلح به المقاومون الأحرار يبدو أكثر فعالية وأكثر انتصاراً على المعتدين الصهاينة الأشرار.
لقد نجح الصمود الأسطوري للمقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله، ونجحت ضرباته الصاروخية الذكية في العمق الإسرائيلي ونجحت مواجهاته الميدانية المباشرة على الأرض، على مدى ما يزيد على العشرين يوماً الماضية في إسقاط كل الرهانات الصهيونية الغبية الإسرائيلية والأميركية، السياسية والعسكرية.
سقط الرهان مع جريمة اغتيال الحريري على ضرب الوحدة الوطنية اللبنانية بقيام الحوار الوطني الذي رعاه المناضل نبيه بري رئيس المجلس النيابي اللبناني، وسقط الرهان الأميركي الفرنسي الإسرائيلي على إسقاط الرئاسة الشرعية اللبنانية الداعمة لعروبة لبنان، والمساندة لمقاومة لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وسقط الرهان مع بدء العدوان الوحشي الإسرائيلي على كل لبنان من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وعلى كل أبنائه وقياداته بمسيحييه ومسلميه، وبكل طوائفه ومذاهبه، وعلى كل قواه السياسية الوطنية والقومية على سلخ لبنان من واقعه العربي، وموقعه النضالي التحرري في معادلة الصراع العربي الصهيوني حول فلسطين. لقد سقطت المراهنات الصهيونية وانقلبت المعادلات لصالح المقاومة ولصالح الشعوب العربية والإسلامية، وأصبح العدوان الإسرائيلي الإجرامي يواجه شبح الهزيمة بعد تضاؤل فرص تحقيق نصر.
وتلوح الآن في الأفق القريب والبعيد آفاق النصر وآمال التحرير، تحرير الأرض وتحرير الإرادة، هذه الآمال النابعة من الواقع المتمثل في الخسائر الثقيلة واختلال النظريات، والنابعة من الماضي لكل من يقرأ التاريخ، أنه دائماً ولا بد أن تتهاوى الإمبراطوريات الظالمة والمستبدة مهما امتدت واتسعت وطال أمدها.
mamdoh77t@hotmail.com