تقصف دولة العدو ما تشاء من بشر وحجر، وتنقض يوميا ألف مرة اتفاقية جنيف المتعلقة بقوانين ومبادئ الحروب، التي لو أخلت بها أية دولة أخرى من الدول المغضوب عليها من قبل شرطي العالم المنحرف وتابعه قفة، لكانت اتهمت بالبربرية والاستخفاف بالقوانين الدولية، ولصب عليها جام الغضب الذي لا يقل وطأة عن ما تسقطه دولة العدو اليوم على لبنان وفلسطين. لكن عندما تكون إسرائيل هي الكاسر لكل الأعراف والقوانين الملزمة لكل العالم يغض البصر عنها وتبرر انتهاكاتها على أنها دفاع عن النفس، أو حتى أحيانا يتم تجاهل ما ترتكبه من انتهاكات وكأنها لم تحدث.

يصرخ ممثلو الهيومن رايتس ووتش يحذرون العالم من استخدام إسرائيل أسلحة غير مشروعة دوليا على المدنيين ولديهم كل الشواهد على ذلك، ولم يخرج تصريح واحد لا من إدارة بوش ولا بلير، ولا من مؤتمر روما الفاشل، يدين ذلك، فإسرائيل كما يقول الرئيس بوش من حقها الدفاع عن نفسها. تضرب إسرائيل وتقتل موظفي الهلال الأحمر والمنظمات الدولية وتحتج الأمم المتحدة على ذلك، ويطلب سفير الصين من إسرائيل الاعتذار عن قتلها لأحد مواطنيها من موظفي الإغاثة،

ويجتمع الجميع ويفشلون كعادتهم في اتخاذ قرار يدين إسرائيل بكل هذه الانتهاكات، لأن سفير أميركا السيد بولتون،الذي يبدو أنه هو المسيطر على الوضع، كان رافضا لاتخاذ أي قرار قد يزعج أصدقاءه الصهاينة، أما البقية من الأعضاء فما هم إلا تلامذة مطيعون يخشون من الرسوب أو عدم الحصول على الدرجات الكافية في امتحان الولاء لأميركا.

في السنوات الأخيرة ازدادت التساؤلات والشكوك حول مصداقية وموضوعية كل من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبين الشك واليقين كنا دائما نفترض الإيجابية ونؤكد على دور هاتين المنظمتين الأساسي والمهم في كثير من القضايا الدولية، دائما ما كنا بشكل أو بآخر نرجح نزاهتهما لأنه لم يكن لدينا الدليل القاطع على غير ذلك.

اليوم ومع أحداث فلسطين ولبنان وقبلهما العراق يتأكد لنا، وبالأدلة القاطعة التي لا تقبل الشك أن هاتين المنظمتين ما هما إلا مؤسستان أميركيتان خاصتان تستخدمهما هاتان الدولتان حسب مصالحهما ويبقيان عليهما لإضفاء الشرعية الدولية على ما يقومان به من أعمال قتل واستنزاف غير مشروعة. اتفاقية جنيف المتعلقة بقوانين الحرب ظهرت من أروقة هاتين المؤسستين الدوليتين، واليوم كل هذه القوانين تنتهك وبمنتهى الفجاجة والبلطجة، ولم نسمع صوتاً واحداً معترضاً أو محتجاً من كل من المؤسستين، لم نسمع غير أصوات التصديق على ما تقوله وتطلبه أميركا وإسرائيل.

كل هذه المشاهد والشواهد اليومية للقتل والظلم والغبن تجعلنا نسأل أنفسنا في أي عالم نعيش نحن؟ وكيف سيكون مستقبل أبنائنا وأحفادنا في ظل حكم وهيمنة هذه الإمبريالية الفاقدة لكل معاني الإنسانية، معاني الحق والشرف والنزاهة؟ إلى متى سيسمى قتل الأطفال والنساء العزل خطأ؟ إلى متى خطف بعض جنود إسرائيليين سيبقى يبرر خطف حياة وكرامة كل من الشعب الفلسطيني واللبناني؟

لقرون طويلة كان ذبح اليهود الرياضة المفضلة للأوروبيين، فإلى متى سيظل الفلسطينيون وغيرهم من العرب يدفعون ثمن جرائم لم يرتكبوها؟ حزب الله لم يكن موجودا عندما ارتكبت إسرائيل مجازرها السابقة في لبنان، فإلى متى سيظل العالم يصدق قصة الهجوم الإسرائيلي ـ الأميركي الحالي، والذي يمارس الإرهاب بعينه، فقط لأنه أعطى الحق للدفاع عن نفسه ضد ما يسميه هو إرهاباً؟ إسرائيل تجاهلت في حربها هذه كل قوانين معاهدة جنيف، فإلى متى سنظل نقبل تشريع العذاب والتعذيب؟ إلى متى ستظل إسرائيل تنعم بامتيازات الدفاع الاختياري أو امتياز استخدام الأسلحة غير المشروعة دوليا؟

الأمم المتحدة، تلك المؤسسة التي من المفترض أنها تخدم مصالح كل الشعوب، لا تتخذ قرارات ولا تقدم سوى توصيات، وعندما تتخذ قراراً تعمل الولايات المتحدة بحرص على حجبه باستخدام حق الفيتو، فحتى الآن مارست الولايات المتحدة هذا الحق أربعين مرة لمنع إي إدانة بحق أفعال إسرائيل. إلى متى ستظل الأمم المتحدة تعمل وكأنها ولايات متحدة أميركية أخرى؟ منذ بداية ضرب لبنان أريقت سيول من الدماء، فكم من الدماء ستراق حتى تشرع القوة ما يرفض القانون تشريعه؟ التاريخ يعيد نفسه يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، وكل عشرة عرب يموتون من أجل موت إسرائيلي واحد. إلى متى ستظل حياة الإسرائيلي تثمن بحياة عشرة من العرب؟

من يشكل اليوم تهديدا وخطرا عالميا؟ هل إيران هي من أسقطت القنابل على هيروشيما وناغازاكي؟ إيران تخصب اليورانيوم، والمجتمع الدولي معارض لذلك متناسيا حقيقة أن إسرائيل تمتلك 250 قنبلة نووية.

يوماً بعد يوم يتجلى لنا في زمن العولمة الأميركية التي نعيشها اليوم أن حرية التعبير أقل قوة وتأثيراً من قوة الفرض والإجبار. فاليوم لتشريع القتل غير المبرر لأهالي لبنان تسمى الحرب سلاماً، والإسرائيليون يسمون وطنيين، والمقاومة اللبنانية إرهاباً.

إن عملية الذبح اليومية للبنانيين، والتي هي ليست الأولى ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة، تحدث في صمت، فهل العالم كله أصيب بالصمم؟ قنابل العدو تقتل وتشرد الأطفال في كل لبنان، ويتهم من يتجرأ على إدانة هذه الجرائم بعداء السامية. فإلى متى ستظل إدانة إرهاب الدولة فعلاً مضاداً للسامية؟ إن الإرهاب واحد سواء كان ناتجاً من دولة أو من فرد مسؤول في حكومة أو من واحد مجنون، أو من مجموعة منظمة، وما تمارسه دولة العدو والحكومة الأميركية اليوم هو الإرهاب المنظم بعينه.

جامعة الإمارات