السؤال الذي يتردد بين الأوساط الرسمية والشعبية العربية والعالمية منذ أن بدأت الحرب في لبنان قبل ثلاثة أسابيع هو: من الذي سينتصر حزب الله أم إسرائيل؟ إنه سؤال مشروع ومهم ولا يقتصر على الانتصار العسكري بل على الانتصار السياسي أيضاً وهذا هو الأهم في نهاية المطاف.

والجواب على هذا السؤال ليس بالأمر السهل إذا أردنا أن نكون موضوعيين بالتحليل والاستنتاج، سيما وأن الانتصار في أي معركة إقليمية غالباً ما يكون نسبياً وليس بالمطلق، وإلا فإننا نتحدث عن انتصار في حرب عالمية تحسم الأمور بنصر مطلق أو هزيمة مطلقة كما كان الأمر في الحروب العالمية السابقة. لذلك فإن الحديث عن الانتصار أو الهزيمة في الحروب الإقليمية التقليدية أو كتلك التي تجري على الساحة اللبنانية بين مقاومة لبنانية مدعومة من دول إقليمية ودولة إقليمية استعمارية هي إسرائيل مدعومة من دول عظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، يختلف بشكل جوهري من حيث الشكل والمضمون.

بشكل عام إن استمرار الحرب لثلاثة أسابيع بالنتائج المعلنة من قبل طرفي الصراع حزب الله وإسرائيل، إضافة للتطورات السياسية والدبلوماسية المصاحبة للحرب، يعني حتماً أن إسرائيل لم ولن تنتصر وبالتالي فإن المقاومة اللبنانية لم ولن تهزم، ذلك لأن الحرب التي لا تزال على أشدها بالرغم من التفوق العسكري الهائل لصالح إسرائيل، تسير لصالح المقاومة اللبنانية بكل المعايير وهي تخوض حرب عصابات لها استراتيجيتها وتكتيكاتها، وقد تعلمنا من تاريخ الحروب أن المقاومة دائماً تنتصر على الجيوش النظامية مهما كانت قوتها، خاصة إذا كان هذا الجيش هو جيش احتلال وعدوان، وما حدث في جنوب لبنان عام 2000 أنموذج واقعي وحقيقي ليس ببعيد.

وبالتركيز على نتائج الحرب الدائرة منذ 12 يوليو نحدد باختصار عناصر الانتصار التالية:

أولاً، حققت المقاومة اللبنانية انتصاراً نوعياً على البعد المخابراتي والمعلوماتي بمفاجأته إسرائيل بعملية ناجحة لأسر جنديين والتي أنجزت بسرعة فائقة وبنجاح كبير؛

ثانياً، نجحت المقاومة في إخفاء قدراتها الصاروخية كماً ونوعاً، وهذا يعكس فشلاً إسرائيلياً كبيراً لأنها لم يعد بمقدورها أن تحمي مدنها ومنشآتها الحيوية القريبة والبعيدة ناهيك عن عمقها الاستراتيجي في تل أبيب والقدس الغربية اللتان أصبحتا في مرمى سلاح المقاومة اللبنانية؛

ثالثاً، إعلامياً حققت المقاومة اللبنانية نصراً كبيراً على إسرائيل واكتسبت مصداقية غير مسبوقة في ساحات المعارك وأصبحت المصدر الإعلامي الأول حتى عند جمهور الطرف المعادي، إذ لم يعد بشيء إلا ونفذه ولم يقل معلومة إلا وكانت صحيحة، في حين أن الطرف الإسرائيلي الذي يدعي الحرية والمصداقية في إعلامه استخدم أسلوب «الإعماء الإعلامي» ليخفي حقيقة ما يجري على ساحة المعركة؛

رابعاً، أما من الناحية العسكرية فإسرائيل التي لديها تفوق بري وجوي وبحري وقد استخدمته بطاقته القصوى ودمرت البنى التحتية وقتلت المدنيين وارتكبت المجازر وحرقت الأرض ولم يعد لديها الكثير من الأهداف العسكرية، فشلت في ضرب المقاومة وإنهائها أو حتى إضعافها مثلما فشلت في محاولاتها لعمليات اجتياحات برية في الجنوب وغيره، بل وتكبدت خسائر فادحة في العتيد والعتاد وأصبحت الحكومة الإسرائيلية تعيش أسيرة لتخبط عسكري وما نتج عنه من تخبط سياسي عندما تغيرت مرات عدة أهدافها العسكرية والسياسية.

ولكن السؤال الأهم في هذا الصراع، الدائر على أرض لبنان يتركز حول الأهداف الاستراتيجية للأطراف الخارجية التي تدعم الصراع دون أن تلعب دوراً عسكرياً مباشراً حتى الآن. وهنا نحن نتحدث عن محورين أساسيين في هذا الصراع الأول يتكون من الولايات المتحدة الأميركية ومعها بعض الدول الغربية، والثاني يتكون من إيران وسوريا والمقاومة الفلسطينية.

فالمحور الأول يهدف إلى القضاء على المقاومة اللبنانية بأي ثمن باعتبارها «إرهابية» كخيار وحيد إذ لا يمكن أن يرضى بوضع تتكافأ فيه استراتيجياً المقاومة اللبنانية مع إسرائيل لأنه سيؤذن بنهاية الرادع الإسرائيلي أمام أعدائها من العرب والفلسطينيين ويعزز دور المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويبطل الدور الإقليمي الذي تريده الولايات المتحدة لإسرائيل في الشرق الأوسط.

والموقف الأميركي - الغربي تجاه الصراع الدائر في لبنان أن لا وقف لإطلاق النار إلى حين أن تحل «جذور المشكلة»، أي المقاومة اللبنانية وأن لا يتم الضغط على إسرائيل في هذا الأمر حتى تهزم المقاومة، وهذا أصبح ركناً أساسياً في عملية «ولادة جديدة» للشرق الأوسط «الجديد». ووفقا لهذا الموقف، فإن مساهمة إسرائيل في «الحرب على الإرهاب» تتمثل بضرب المقاومة اللبنانية والفلسطينية اللتين تعتبران بالنسبة لواشنطن وتل أبيب ذراعاً لـ «دولتي محور الشر» سوريا وإيران.

الأمر الثاني الذي أصبح يقلق واشنطن وتل أبيب هو إشارات التضامن بين الجماعات السنية والشيعية في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي قد ينعكس بقوة على الولايات المتحدة وإسرائيل إذا استمر الصراع أو حسمت المعركة عسكرياً وسياسياً لصالح المقاومة في لبنان. ولا يخفى على أحد أن عملية أسر الجنديين الإسرائيليين من قبل المقاومة اللبنانية جاءت بعد عملية أسر الجندي الإسرائيلي من قبل المقاومة الفلسطينية في غزة، وهذا يعكس ولو جزئياً تضامناً سياسياً في مرحلته الأولى وقد يتحول إلى أبعد من ذلك إذا طال أمد الصراع في لبنان.

إذاً فإن بذور التعاون بين الجماعات السنية والشيعية المسلحة موجودة، وهذا ما تشجعه سوريا وإيران والشارع العربي، وقد يمتد ذلك إلى ما بعد لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. إضافة إلى ذلك أنه في حال استمرار الصراع في لبنان قد يصبح منطقياً بالنسبة لطهران أن تبدأ بتنشيط بعض الجماعات الموالية لها في العراق سيما وأنها تتمتع بعلاقات وثيقة مع معظم الأطراف الإسلامية الشيعية التي تسيطر على الحكومة العراقية، والتي تنظر إلى معاناة الشيعة في لبنان بقلق شديد. وبعض هذه الجماعات، كجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر وأيضا فيلق بدر، تعارض بشدة الوجود العسكرية الأميركي في بلادها.

وعليه فإنه ليس مستبعداً، لاسيما بعد التصعيد الدبلوماسي الأخير ضد البرنامج النووي الإيراني، أن تبدأ بعض الأطراف العراقية بالمشاركة بأعمال عسكرية ضد القوات الأميركية في العراق من أجل ممارسة الضغط على واشنطن ومن ثم إجبارها على الاعتراف بالدور الإيراني - السوري في أية تسوية حول لبنان.

وبما أن واشنطن وإسرائيل تضغطان من أجل تحقيق نصر عسكري بدلاً من التوصل إلى تسوية ما وفرض شروطهما السياسية لإنهاء الصراع في لبنان، فثمة إمكانية أن تتوسع رقعة الصراع لتشمل العراق وسوريا وإيران ضمن خطة أميركية - إسرائيلية غير واضحة المعالم والتي تندرج ضمن ما يعرف بـ «استراتيجية الفوضى البناءة»، ولكن مجريات الأمور في المنطقة تنبئ بذلك.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة على مستوى المنطقة بأسرها، لأن الصراع الذي أرادته إسرائيل وبدأ على لبنان خطير جداً ومهيأ لأن يتوسع جغرافيا ليشمل سوريا وما بعد سوريا وما بعد ما بعد سوريا. وهذا الأمر سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل المنطقة بأسرها، لأنه سيكون صراعاً حاسماً يحدد معالم المنطقة، إما طبقاً للرؤية الأميركية أو طبقاً لمعادلة عادلة تريد استرجاع الحقوق العربية المغتصبة في العراق وفلسطين والجولان ولبنان

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com