من يتابع ما يردده (سفاح قانا 2) ايهود أولمرت ، يدرك على الفور أنه بات يتعامل مع الأمم المتحدة باطمئنان وكأنها مؤسسة أميركية تلبي له ما يريد، تماما مثلما تلبي منظمة (ايباك) أو لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية التي تعد أقوى لوبي صهيوني في الولايات المتحدة كل طلبات إسرائيل. أولمرت، تحدث أمس عن الأمم المتحدة، وكأنه تربطه بها علاقات طيبة وحميمة،
ومطمئن على قرارها المرتقب بشأن لبنان الجريح.
قال ـ وكأنه هو المجني عليه ـ إن إسرائيل تقترب من تحقيق هدفها في لبنان، وإن تصويت الأمم المتحدة على إقرار الهدنة سيجري في الأسبوع المقبل. أي أنه مطمئن للمنظمة الدولية بعد أن ظلت منذ بدء العدوان الإسرائيلي الإجرامي على لبنان في الثاني عشر من يوليو الماضي وحتى الآن، تكتفي بدور المتفرج على ما تفعله إسرائيل في هذا البلد العربي الذي تتسع فيه رقعة الدمار يوما بعد يوم وتتواصل على أرضه جرائم الحرب والمجازر التي يحترفها زبانية أولمرت.
وعلى غير عادة قادة إسرائيل جميعا، أكد أولمرت أنه سوف يتعاون مع قرار الأمم المتحدة المرتقب - وكأنه يعرف مضمونه مسبقا! - متمنيا أن يأخذ القرار مصالح «الشعب الإسرائيلي وحقوقه في الدفاع عن نفسه».
رئيس وزراء الدولة العبرية المتحمس جدا لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 لمجرد أنه قرار يطالب بنزع سلاح ما يسميه الميليشيات في لبنان،
يقول بكل بجاحة إن عدوانه على لبنان متواصل ومرهون بقرار الأمم المتحدة الذي يجري «طبخه»، وإن ما تفعله إسرائيل الآن على الأرض اللبنانية هو فتح الطريق لتحل القوة الدولية محل الإسرائيليين. أي أنه يمهد الأرض لتلك القوة التي يرغب في أن يبلغ حجمها 15 ألف رجل وأن تضم وحدات قتالية، لتنوب عن إسرائيل مستقبلا في الدفاع عن الدولة العبرية.
هكذا صارت الأمم المتحدة صديقا لإسرائيل. لقد أصدرت في الماضي ترسانة من القرارات الدولية ولكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استهزأت بها لأنها قرارات في غير صالح الدولة العبرية. أما الآن فالمنظمة الدولية ـ بصرف النظر عن القرار 1559 ـ تستعد لإصدار القرار الذي يترقبه أولمرت، لأنه سيتماشى مع مخططها في تجريد الجنوب اللبناني من أي قوة مقاومة تدافع عن الحق العربي. هكذا صارت المنظمة الدولية وكأنها تتواطأ مع إسرائيل، بعد أن التزمت الصمت المريب على العدوان الذي يتعرض له لبنان ولم تتخذ موقفا جادا حول مذبحة قانا(2).
بعد أن صار حالها هكذا،من حقنا أن نتساءل:هل مازالت الأمم المتحدة لسان حال المجتمع الدولي؟ وهل تتحمل في عصرنا الراهن ـ عصر القطب الأوحد ـ مسؤولية حفظ الأمن والسلم الدوليين وتطبيق القانون الدولي ومعاقبة من ينتهك نصوصه وبنوده؟ الرد ، هو النفي.
فلا الأمم المتحدة باتت تمثل المجتمع الدولي تمثيلا يتسم بالشفافية أو المصداقية، ولا هي قادرة على تنفيذ أهم مهامها التي أسست من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية المدمرة، وهي حفظ السلم والأمن في أرجاء المعمورة أو في المناطق الملتهبة التي تتطلب رعاية دولية مستديمة، ولا مجلس الأمن الذي يمثل الصفوة الدولية بكل كبارها، يؤدي دوره الحقيقي الذي يفترض أنه دور حازم وصارم في ردع أي عدوان.
وهذا ليس تجنياً على المنظمة الدولية، بل هو الواقع المرير لحالها. فقد صارت مشلولة غير قادرة على حماية أمن العالم، مكبلة بسلاسل حديدية أميركية تمنعها من التحرك بوحي من قوانينها ومواثيقها، وتنفذ ما تمليه عليها واشنطن ويرضي إسرائيل إلى درجة أن البعض بات يطلق عليها «الأمم المتحدة الأميركية»!