بالرغم من استمرار العدوان الإسرائيلي الذي يعارض جميع القرارات الدولية ، شهدت بيروت أمس نشاطا دبلومسايا مكثفا في محاولات جاهدة لإيقاف آلة التدمير الإسرائيلية ، بالرغم من المعرفة المسبقة بصعوبة تحقيق اختراق حقيقي بدون موقف عربي - أوروبي موحد ومؤثر ، يضغط على الولايات المتحدة لوقف دعمها للمجزرة الإسرائيلية.
وفي قلب هذه الجهود الدبلوماسية يبرز الأردن مرة أخرى. وبالرغم من كونه دولة صغيرة لا تتمتع بموارد اقتصادية أو قدرات ضغط سياسية مؤثرة كما الدول الكبرى ، فإن ميزة الأردن الأساسية هي القيادة في الفعل وحسب الإمكانيات المتاحة.
لقد قام الأردن بكسر الحصار الجوي على لبنان ، وتم إرسال تسع طائرات إغاثة خلال سبعة ايام ومعها مستشفي ميداني. هذا الإنجاز ، الذي حاول بعض الناكرين ممن اعتادوا النضال الخطابي التقليل من شأنه ، ظهر رياديا بالنسبة للدول الأخرى: فقد اصبح الممر الجوي الذي دشنه الأردن مسارا لعدة طائرات من دول عربية وأوروبية مختلفة ، كما أرسلت كل من السعودية ومصر مستشفيات ميدانية لتدعم جهود المستشفى الأردني في تقديم بعض الجهد لتحسين ظروف الحياة ولو بالحد الأدنى.
وجاء قرار الملك أمس بتزويد لبنان بالبنزين من المخزون الأردني ، واحدا من أهم الأمثلة على القيادة الأخلاقية للأردن ، فنحن لسنا دولة نفطية كما أننا نعاني من ارتفاع تكلفة الفاتورة النفطية ، ولكن هذا لا يمنع النخوة الأردنية من تقديم كميات من البنزين إلى لبنان الذي يعاني من قرب انعدام المحروقات إذا لم يتدخل العالم لنجدته.
ونحن كلنا أمل في أن تكون المبادرة الأردنية مفتاحا لمبادرات عربية ودولية في تزويد لبنان بالمحروقات وضمان وصولها إلى المستفيدين منها ، وخاصة من قبل الدول النفطية ومنظمة اوبك.
زيارة وزير الخارجية إلى بيروت ركزت مرة أخرى على دعم الأردن لخطة الحكومة اللبنانية في حل الأزمة والتي تتكون من سبع نقاط ، وهي الخطة الوحيدة التي يمكن تطبيقها ويجب أن يضغط المجتمع الدولي كله من اجل المضي قدما في تنفيذها ، كما يؤكد الأردن بأن العنوان الوحيد للسيادة اللبنانية والشرعية هي الحكومة ، والتي تعمل في ظروف صعبة جدا وبدون أن يتم إعطاؤها اية فرصة لممارسة سيادة حقيقية وغير منقوصة على لبنان ، تبدأ من تحقيق وقف فوري لإطلاق النار بلا شروط.
يعرف الجميع أن مساحات التحرك والتأثير ضيقة جدا في ظل هذا الانحياز الأميركي الذي اصاب مؤسسات كبيرة مثل مجلس الأمن الدولي بالعجز واصاب دولا كبرى كثيرة بالجمود ، ولكن حتى الإنجازات الصغيرة قد تتراكم لتصنع تغيرات ايجابية تصب في مصلحة الشعب اللبناني ، ولا شك في أن الأردن أصبح مثالا لهذه الرؤى القيادية في تحقيق منجزات مباشرة ، يمكن أن تصبح أكثر تأثيرا عندما تتراكم وتكبر ، بدلا من أن يتم التقليل من شأنها بسبب مناكفات سياسية.
ولكن الأهم من ذلك كله ، هو وجود موقف عربي موحد وذي ثقل وراء الحكومة اللبنانية ، واعتبار تصريحات هذه الحكومة وخططها ، البوصلة الحقيقية لقيادة لبنان خارج الأزمة ، وهو السلوك السياسي الذي اتبعه الأردن منذ اليوم الأول ، بعيدا عن السلوكيات الانقسامية والتصريحات التي لم تسهم إلا في شق الصف العربي ، وإضعاف الدعم الذي كان يجب أن يكون موحدا للحكومة اللبنانية.