لا يختلف المتابعون للتطورات والأحداث الخطيرة التي تشهدها منطقتنا في هذه المرحلة التاريخية والعصيبة على أن الأداء العربي كان في أسوأ أحواله، وضعا ودورا وتعاملا، حيث شعر الجميع بأن هذا الأداء كان مغيبا، وذلك بفعل حالة التجاذبات التي أظهرت المواقف العربية على نحو من التباين تارة والاختلاف في وجهات النظر تارة أخرى .

حيال السُبل والآليات والخطوات الواجب اتباعها في مواجهة التصعيد الإسرائيلي الذي بدأ حربه الشاملة باجتياح قطاع غزة واعتقال عدد من الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وقصف المنشآت المدنية والحيوية في القطاع والضفة ليتجه في الوقت نفسه إلى شن عدوان مماثل على لبنان أظهر من خلاله حقده الدفين على هذا البلد حيث استخدمت آلته العسكرية كل وسائل الدمار في هدم البنى التحتية وتحويله إلى أرض محروقة إلى جانب قتل المئات من أبنائه في مجازر جماعية كان معظم من سقطوا فيها من الأطفال والشيوخ والنساء والمدنيين الأبرياء.

وبصرف النظر عن المبررات التي اتخذت منها اسرائىل ذريعة لحربها الإجرامية على أبناء الشعبين الشقيقين الفلسطيني واللبناني، فإن كل المؤشرات تؤكد على أن اسرائىل ما كان لها أن تتجرأ على ممارسة مثل هذه البلطجة والعربدة وبتلك الصورة من الوقاحة والإجرام التي بلغت ذروتها في مجزرة قانا لو لم تكن تعلم علم اليقين بأن الدول العربية لا تحتكم في علاقاتها سواء في ما بينها أو مع الخارج إلى ثوابت دقيقة، يلتقي عندها الجميع، وتصبح مرجعية تستند إليها سياساتها وتوجهاتها وتحركاتها حيال أي قضية من القضايا.

ولا نحتاج للقول بأن العرب مدعوون أكثر من أي وقت مضى للاعتراف بتلك الحقيقة دون مكابرة، باعتبار أن ذلك يشكل نقطة جوهرية في طريق إصلاح الخلل وتجاوز مكامن الضعف وإعادة تقويم الأداء المشترك وفق محددات جديدة وفكر منفتح يعزز روحية التواصل والتلاحم والتكتل والتفاعل بين جميع مكونات هذه الأمة، حتى يتسنى لهذه المكونات الاضطلاع بمسؤولياتها في مواجهة التحديات الماثلة.

إن من المُلح والضروري -أيضا- أن يعي العرب أن ما يحدث اليوم من عدوان إسرائىلي غير مبرر على أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني إنما يشكل جزءاً من الثمن الباهظ الذي باتت تدفعه هذه الأمة نتيجة انقسامها على ذاتها وانغماسها في مدارات القُطرية التي أرادت من خلالها التعويض عما منيت به من خيبات أمل في ميادين العمل العربي المشترك، دون إدراك أن الجزء يظل ناقصاً ما لم يكتمل بالكل.

ولعل ما هو مطلوب الآن هو الوقوف مع النفس واستلهام عبر ودروس الماضي والاستفادة منها لما من شأنه إعادة الاعتبار للحاضر والعمل على تأمين المستقبل، ولبلوغ هذا الهدف فإن من المهم أن لا نجعل المحن والأزمات التي تتكالب على أمتنا وشعوبنا مهما بلغت شدتها تفقدنا قوة الإرادة والثقة بأنفسنا، إذ أن الأمة المستسلمة لليأس، وكما أشار فخامة الرئيس علي عبدالله صالح، تصبح أسيرة لثقافة الخنوع وقلة الحيلة وقيود الإحباط، فتصاب بالجمود والخمول وتنتزع منها روح المقاومة والصمود.

ومن هذا الفهم نجد دعوة الرئيس علي عبدالله صالح الأمة إلى عدم اليأس أو السماح بما قد يؤدي إلى فرقتها، هي دعوة تحمل الكثير من الدلالات لكونها جاءت من رجل دولة مشهود له بالحكمة وبُعد النظر والحنكة السياسية فضلا عن أن تلك الدعوة قد تلازمت مع دقة الظرف والزمان الذي تتعرض فيه أمتنا لأهم امتحان في تاريخها المعاصر.

صحيح أن العرب قد فشلوا خلال أكثر من خمسة عقود في تأطير أنفسهم في كيان تلاحمي، تتوحد فيه الطاقات والقدرات والإمكانات وتنصهر في بوتقته أدوات التكامل بمختلف جوانبها، إلاّ أنّ هذه الأمة لم تنهر لديها جدوى المقاومة بدليل ما يحدث اليوم في لبنان وغزة، فالمقاومة تدافع عن أرضها وكرامتها وهويتها، في صمود أسطوري جعل الكيان الإسرائىلي يتجرع مرارة القهر والإذلال اللذين ظل يمارسهما على الفلسطينيين واللبنانيين.

ويحسب لهذه المقاومة أنها التي كشفت عن أن هذه الأمة ما تزال حية وأنها قادرة على النهوض وتجاوز كل عثراتها، وليس هذا وحسب، بل أن تلك المقاومة قد استطاعت أن تفتح آفقا جديدا أمام النظام العربي الرسمي لإعادة صياغة إدارته على نحو من التكامل والتناغم وتحقيق تطلعات الأمة بعيداً عن تلك المفردات الخطابية والسياسية التي ثبت فشلها في الماضي.