في الوقت الذي ينظر فيه العرب بارتياح تام للوحدة الوطنية اللبنانية وتماسك الجبهة الداخلية للبنانيين أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم. لا يعدم المرء تلمس مرارات عربية من نظرة بعض اللبنانيين للعرب وخاصة في الأوساط التي تعرضت أكثر من غيرها للاعتداءات الإسرائيلية.
ويلمس ذلك في إهمال بعض القنوات اللبنانية للمساعدات العربية أو الإيحاء بعدم الاهتمام بهذه المساعدات. بل يصل الأمر إلى شتم العرب في القنوات الفضائية وتحميلهم مسؤولية المأساة. وكأنهم هم الذين قرروا الحرب أو أشعلوها أو أمدوها بأسباب الدفع.
ومع تفهم بعض المشاعر السلبية والمرارات الإنسانية في هذه المأساة إلا أنه يمكن توقع وجود مناخ مساعد أسهم في هذه المواقف السلبية تجاه العرب والعروبة بين هذه الأوساط. خلقت بعض أجوائها ظروف زمنية وإعلامية. من جهة وثقافة مذهبية صنعتها الطائفية السياسية والدينية في النظام اللبناني وأسهم في تأجيجها نمو أدوار القوى الإقليمية غير العربية وعراق ما بعد صدام الذي يصوغ نظاماً مذهبياً يسوق إلى انقسام اجتماعي يفصم الوطني عن القومي.
ففي السبب الأول حاولت قنوات فضائية نقل الحرب من كونها عربية -إسرائيلية، إلى أن تكون عربية - عربية. في توجه لا يخدم سوى المصالح الإسرائيلية والأجنبية. وفي مجال الثقافة الطائفية لا يشك المرء في توغل الأصولية المذهبية في الثقافة الاجتماعية العربية.
غير أن المفاجئ أنه فيما تحاول دول المنطقة تخفيف غلواء هذا الخطاب المذهبي ونشر ثقافة التسامح والانفتاح. يفاجئنا لبنان المنفتح والديموقراطي بأنه يكاد يكون بؤرة للانعزالية الإسلامية، بعد أن تخلص من انعزاليته المسيحية.
إن المحاولات الشريرة للبعض في تطييف الأزمة اللبنانية وتحميل العرب والعروبة مسؤوليتها أمر في غاية الخطورة. وهي مؤامرة خبيثة لتحويل لبنان إلى عراق آخر. فسياقات العدوان والمواقف منه ليس لها علاقة بالدين بل بالسياسة.
ونذكر المصطادين في المياه العكرة أن النظام العربي الرسمي لم يستطع حماية الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان في السبعينات ولا حماية بيروت ومنظمة التحرير أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 م. ولا حتى فك الحصار عن رام الله وياسر عرفات حتى وفاته، ولا حماية المقاومين في غزة قبل أسبوعين من العدوان على لبنان.
فالأمر يتعلق بتوازنات القوى الدولية والإقليمية. وبسيطرة المحافظين الجدد على القرار الأمريكي والذين حشروا الاعتدال العربي في زاوية ضيقة.واليوم وفي ظل الحرب بالوكالة بين طهران وواشنطن يجد العرب أنهم ضحايا حرب لم يختاروها ولم يريدوها، فهم يستنزفون في دمائهم وفي اقتصادهم وفي ثقافتهم وفي رصيدهم السياسي.
لذا نقول كفى تلويناً لرايات المعركة وكفى تزويراً للحقائق وكفى إسقاطاً لخطايا الآخرين على العروبة والعرب الذين " لا ناقة لهم ولا جمل " في حروب غير محسوبة العواقب.