عندما تتابع الأحداث الجارية بلغة أخرى تلاحظ بعض الجهات الدولية التي تتعامل مع الشعب اللبناني الصامد المعطاء، وكأنه قوة عظمى مما يقتضي «كسر شوكته» فلذلك تضافرت وتحالفت كل الجهود في مجالات التواطؤ والإجبار والصمت والقمع حتى يعود إلى رشده.. ويوافق على الاستسلام المهين المغلف بشعارات السلام.
الغربان السوداء تشق بطونها، وتفرز الأشكال المريبة لموت الأحياء دون تمييز. لأن الغربان تقصف وتدمر وتقتل. لم يتمكنوا من الرحيل و تبديل الأماكن. البيوت أصبحت ركاماً، و الموت والدم يحاصران كل الجهات. فيما الأطفال يبكون جوعاً وعطشاً، والنسوة يطلقن الصرخات والدعوات.
ماذا عساه يقول الدم، هل أمشي ولي حلم يسوَر جثتي، وضياع أطفالي بقلب البشر.
إن استسهال الدم اللبناني والفلسطيني أصبح عادة، يبدو أنها غير محرمة دوليا، ولم يعد يندى لها الجبين أو تقشعر لها الأبدان؟ الدم اللبناني الطاهر... يسفك في «الجنوب» قبل أن تجف الدماء في باقي مدنه وقراه.
العالم اليوم و منذ عدة عقود، يشاهد يوميا مسلسلاً جديداً من مسلسلات دم الشعب اللبناني. الكل على علم و يقين أن : هناك في لبنان و فلسطين بحور دماء سالت وتسيل.لأن الدم الفلسطيني و اللبناني، أصبح الدم الأرخص في بورصة الأمم المتحدة، وهدره مباح ومحلل. و البلاد والمقدسات هانت على أهلها، قبل أن تهون في أعين الآخرين. ما زالت الدماء متوهجة بعدُ فوق رمال الجنوب في قانا عتيرون، صريفا و بنت جبيل...
عجزت الأمم المتحدة عن استنقاذ الجنين بإخراجه حياً من رحم أمه التي عادت إلى ربها راضية مرضية، بالنار الإسرائيلية التي تتمدد ألسنتها حتى لتكاد تحرق حاضر لبنان ومستقبله بعدما التهمت ماضيه، أو هي توشك ان تفرغ منه.
حينما تلد الأم ولدا، فإنها تلد للحياة أحد أمرين، دما هادئاً محفوظاً، أو، دما طبيعيا سيهدر ليكون حلقة في ذلك المسلسل. لكن، كريات الدم البيضاء لا تظهر أبدا أمام كريات الدم الحمراء، لذلك لا يمكن رؤية سوى اللون الأحمر في الدم. وهذه مشكلة اللون الأبيض في لعبة الدم، فالكريات الحمراء هي وحدها الحمراء الدموية ، لكنها تصر دائما أن تورط الكريات البيضاء، لتظهر حمراء مثلها .
يستباح الدم اللبناني كل يوم، ليل نهار. ويَلُغ في الدم وكأنَّه يشرب. بهذه الوحشية و الهمجية السادية الجارية في لبنان. هل حكم على الشعبين اللبناني والفلسطيني أن يصبحا بلون الدم فقط لأن الإسرائيليين «الدمويين الحمر» أرادوا ذلك؟
هل بالاستطاعة المحافظة على بياض ونضارة الشعبين في عالم كل ما فيه حروب و ظلم و دماء و مجازر؟
حين تمتزج الأمور ببعضها ، فإن حمرة الدم تصبغ يد الجاني، كما تصبغ جرح الضحية، يتهمون حزب الله و حركة حماس بأنهما حركتان غير حضاريتين وأنهما إرهابيتان دمويتان. لكن دمويتهم هي دموية الجرح النازف ، لا اليد الجانية التي تقتل البشر و تقتلع الشجر و تدمر الحجر.
العالم اليوم ممثلا في الأمم المتحدة ، ابلغ الشعب اللبناني رسالته، للعدوان الإسرائيلي على لبنان، عندما تبنى الدم الإسرائيلي وأعلن عنه جهرا، أنه غال في بورصة الاهتمام العالمي فأعطاه الضوء الأخضر. وأعلن عن رخص الدم اللبناني بصمته وقراراته المفبركة، على ما يرتكب من مجازر وتدمير بربري و وحشي بحق الشعب اللبناني الصامد.
إن المطلوب أميركيا هو إسالة الدم على أرض لبنان وفلسطين. ليس في مواجهة الصهاينة طبعا، ولكن من أجل منع المقاومين من الحق المشروع و تحرير الأرض.
إزاء هذا الوضع لا نجد حلا سريعا وتبدو الصورة مشوشة على أكثر من صعيد وخاصة في منطقة الشرق الأوسط . لكن من طبيعة الحياة الاستمرار، ومن طبيعة البشر التفاؤل بالأفضل والأحسن، رغم عدم توفر المعطيات الكافية لهذه الحالة الطبيعية.