كشفت قانا الستائر...

ورأينا أميركا ترتدي معطف حاخام يهودي عتيق وتقود المجزرة.

بهذه الأبيات الشعرية انفعل الشاعر العربي السوري الراحل نزار قباني مع مجزرة قانا الأولى في ابريل 1996، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية مبنى للأمم المتحدة في قرية قانا بجنوب لبنان لجأ اليه الأطفال والنساء والعجائز وهم واثقون من كونه ملاذا امنا توفر له شارة ولافتة المنظمة الدولية الحماية والحصانة.

ولكن ظنهم الحسن ذهب أدراج الرياح ودفن مع جثثهم تحت الأنقاض ومعه هيبة ضائعة ومصداقية مفقودة للأمم المتحدة التي صارت مثل أرملة مكسورة الجناح أمام إسرائيل وراعيتها الأولى الولايات المتحدة لكن عندما يتعلق الأمر بدولة عربية او إسلامية تظهر لهذه العجوز أنياب «وفصل سابع» وتفويض باستخدام القوة.

في مجزرة قانا الثانية (30 يوليو) الماضي بدا وكأن نزار بحاسة الشاعر كان يستشرف المستقبل الذي رحل قبل ان تتغير عيونه بمشهده الكئيب فلقد كانت أميركا فعلا لا مجازا حاضرة ومشاركة في تنفيذ وقيادة المجزرة التي نفذت بأسلحة أميركية أحضرت على عجل بطائرات حطت في مطار بريطاني وأثارت لغطا وضجة وأجبرت الرئيس الأميركي على الاعتذار لصديقه وتابعه رئيس الوزراء البريطاني عن إخفاء أمر شحنات السلاح التى قدمت لسلطات المطار على انها «بضاعة خطر».

الحضور الأميركي فى مجزرة قانا لم يكن فقط بإمدادات السلاح والقنابل الذكية والأسلحة المحظورة والصواريخ الموجهة بالأقمار الصناعية بل بالتخطيط الاستراتيجي والتوجيه الإعلامي والحشد السياسي والتعتيم على الجرائم الحربية واستدعاء الحلفاء والتابعين لتوفير الغطاء اللازم لتمرير الجريمة الإسرائيلية لدرجة بلغت حدا غير مسبوق في عبثيته.

ولا ادري كيف سيسجله التاريخ العربي او كيف سيتفهمه الجيل الذى لم يولد بعد عندما سيقرأ ان البعض منا أفتى بتحريم نصرة المقاومة بما يعنى تمجيد من ينتصر للعدوان الصهيوني وهذا فعل لم يهبط الى مستواه عتاة المنبطحين للعدو سواء ايام موجات الحروب الصليبية او غزو التتار او ضياع الأندلس او ابان موجة الغزوات الاستعمارية الأوروبية فى العصر الحديث.

لم يقتصر الحضور الأميركي في مشهد مجزرة قانا الثانية على الدعم والإمداد بل بلغ مستوى من الشراكة التي لا تخفى على مراقب قبل ان تنطلق الطائرات الإسرائيلية لقصف قانا كانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد فرغت لتوها من اجتماع مع رئيس الوزراء الاسرائيلى ايهود اولمرت وفهمت انه سيوفر لها ورقة ضغط قوية تحملها معها الى بيروت في الصباح تدعم تحقيق هدفهما المشترك: تفكيك حزب الله ونزع أسلحته وإبعاده نهائيا عن الجنوب اللبناني وإخراج «المقاومة» للأبد من قاموس الشرق الأوسط الجديد ونشر«ثقافة» الإذعان والاستسلام وقبول الاملاءات.

لكن رياح الحرب لم تأت بما تشتهيه رايس و اولمرت فلقد قلبت مجزرة قانا السحر على الساحر ووضعت مجرمي الحرب في موقف الدفاع والتبرير والبحث عن ذرائع وألغيت زيارة رايس لبيروت وصمتت أصوات المرجفين من «غلمان» واشنطن وانتفض الشارع العربي والإسلامي والعالمي غضبا وتوحد خلف المقاومة والانتصار لحزب الله لدرجة جعلت من كان يسخر من المقاومين ويحملهم الذنب فى العدوان على لبنان ينقلب على عقبيه!

لكن هذا الصمت والعجز الدولي لم يمنع من لديهم ضمائر حية يقظة وجرأة فى النطق بالحق ان يرفعوا أصابعهم فى عيون مجرمي الحرب والنازيين الجدد ويسموا الأشياء بأسمائها الحقيقية دون لف او مداورة وللأسف لم يكن بين هؤلاء احد من الرسميين العرب!

من هؤلاء الناطقين بالحق فى وجه السلطان الدولي الظالم رئيس فنزويلا هوجو شافيز الذي رأى ان مجزرة قانا تتجاوز في بشاعتها وجرمها بحق الإنسانية مستوى جرائم الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر وان إسرائيل تمثل حاليا كيانا عنصريا إرهابيا يهدد الأمن والسلام الدوليين، قالها وهو غير عابئ بما يمكن ان يوجه له من اتهامات بمعاداة السامية تلك التهمة الجاهزة لترويع قادة العالم ومثقفيه بهدف جعل إسرائيل كيانا لا يمس بنقد او سوء حتى لو كانت الدماء تقطر من أصابعها وقطع اللحم الحي للضحايا بين أسنانها.

أمر آخر اشد قسوة من منظر الأطفال الأبرياء الذين حصدت إسرائيل أرواحهم في قانا وهم غارقون في أحلام بريئة بانتظار كوب لبن دافئ لن يشربوه او لعبة لن تمسها أيديهم وستدفن معهم قبل ان تسر بها قلوبهم وهو هذه اللهفة عند بعض العرب على تسويق أفكار صهيونية المنبت فتاكة لأي مستقبل سواء وهم يعلمون او منساقون تحت تأثير إدمان التبعية للغير من هذه الأفكار خطة غيورا ايلاند الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الاسرائيلى والتي قدمها قبل العدوان ثلاث مرات لأرييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلى السابق المحتضر وخلفه اولمرت والتي تعتمد على خطة من ست نقاط تدمج لبنان فى سلام اسرائيلى وتقضى على المقاومة عبر مرحلتين. وبالتالي يصبح العرب امة لا تعرف سوى «نعم» لأي إملاء. وتدير خدها الأيمن لمن يصفعها على الأيسر.