يبقى الغزو الصدامي لدولة الكويت الذي يدخل الذكرى السادسة عشرة، المؤشر اللئيم في تاريخ الكويت الممتد منذ القرن الثامن عشر، نتناقش فيه عن مسببات الغزو وسهولة التنفيذ، وغيابنا جميعاً عن الإصرار على إفشاله في المهد، وما زلنا نتساءل كيف يغزو واحد مثل صدام حسين، دولة الكويت المنفتحة والمتصلة بالعالم والثرية بالأعوان والأصدقاء، وسنظل نتساءل إلى يوم القيامة لأن غزو الأوطان ليس ممارسة فصلية ودورية لها مواسم مثل الفواكه والذرة.
والغزو الصدامي لدولة الكويت هو فاصل في تاريخها مثل فصل إعلان الدستور عام 1962 الذي فتح نوافذ غير مسبوقة، والغزو ترك جروحاً لا تبرأ، وتجارب مريرة واضحة في سلوكنا وباقية في ضميرنا. وإذا كانت ألمانيا تقف عند تاريخ توحيدها عام 1870 مثلاً، وبريطانيا في وحدتها عام 1941، وفرنسا في ثورتها 1789 وفي هزيمتها في 1940، فإن من يريد أن يتعرف على الكويت الحاضرة لابد أن يدرس بنود الدستور ومآسي الغزو، ولعلنا نوجز بعض الوصايا التي نستذكرها في هذا اليوم المشؤوم.
أولاً: [لم يبق أمام حكومة الكويت من سبيل للحفاظ على كرامتها وصيانة الوطن الغالي إلا ما يتوجب على كل شعب أبي حين تتعرض مقدساته للعدوان، فكان أن رحب أمير الكويت بوصول القوات السعودية الشقيقة كما طلب المساعدة العسكرية من حكومة المملكة المتحدة وفق الاتفاق الذي جرى بينهما في 19-6- 1961، وفي الوقت نفسه رحب أيضاً بأي مساعدة من الدول العربية الشقيقة لشد أزر الجيش الكويتي الباسل] هذه الجملة المفيدة بقرارها التاريخي جاءت في البيان الرسمي الذي أصدره المجلس الأعلى في 1ـ 7ـ 1961 مع تصعيد اللواء قاسم تهديداته ضد الكويت.
وهو القرار الذي أدخل قاسم وجماعته في ساحة الهستيريا أمام القوات البريطانية التي جاءت كحصيلة لهذا الطلب، ومن حكمة الشيخ عبدالله السالم أن لا تترك الدولة بلا غطاء عسكري رادع يضيف إلى القوة الكويتية الذاتية فاعلية رادعة.
في أغسطس 1990 لم يكن للكويت ذلك الرادع، واكتفينا جميعاً بالشبكة الدبلوماسية الواسعة التي يمكن أن تكون قيمة مضافة تصاعدية للردع العسكري، لكنها لا تخيف واحداً من نوع المصروع قاسم والبلطجي صدام.
وأولى العبر في وصايا الغزو أن نملك الردع أولاً ثم نأتي بالقيمة الدبلوماسية الإضافية، وفي هذا الصدد نلاحظ الآن التعايش التلقائي الذي تتسم به علاقات شعب الكويت ومؤسساته الرسمية والسياسية مع واقع الردع المتوفر عبر الاتفاقات الأمنية الموقعة مع واشنطن ولندن والدول الكبرى، والتي جسدها الردع المكشوف والمرئي المتواجد على مقربة من مواقع التهديد.
ثانياً: موقع الكويت الجغرافي- السياسي وذخيرة تربتها من الطاقة ومحدودية إمكاناتها العسكرية تغري الجوار لاسيما الجوار العقائدي الأيديولوجي المتوسع مثل نظام صدام للاستفادة من هذا الموقع الكويتي للحصول على امتيازات، ونعرف بأن صدام كان يريد الكويت كلها مستغلاً أساليب متنوعة لفرض سطوته.
وإذا كان عراق صدام انتهى وبدأ العهد الديمقراطي العراقي الذي يجب أن نسعى لتثبيته. وستظل الكويت المرتبطة مع قواعد القرار العالمي سليمة ومستقرة وآمنة لكن الهدف الذي نسعى له أن يحل التعايش وحسن الجوار وقانون المصالح المتبادلة مكان الردع من أجل المستقبل البعيد المضمون للجميع.
ثالثاً: أثبتت التجربة حاجة الكويت الماسة والملحة للظهر والعمق الخليجي وأثبتت التجربة المريرة بأن التكاتف والوحدة الخليجية مع الأزمات تفتح أبواباً من التضامن لا يمكن تصورها إلا عند وقوع الحدث كما شاهدنا عام 1990. لم يبخل أحد من أهل الخليج على الكويت، وكل واحد في الخليج، حاكماً ومواطنا، ساهم في تحرير الكويت وله دور مميز، كل الجيوش الخليجية ذهبت، وكل الخزائن فتحت وكل البيوت رحبت وكل القلوب تفاعلت. ومهما صار الضجر من بطء مسيرة مجلس التعاون، تظل الكويت مدينة لأهل الخليج ومعترفة بالجميل وساعية للحفاظ على هذه المسيرة. وعندما نقول الخليج بيتنا نؤمن بأن تلك قاعدة صحيحة عند الشدة.
رابعاً: يظل دور الكويت التنموي السياسي والاقتصادي في المحيط العربي مميزاً، ويظل هذا الدور الممر المؤثر في التقاء المصالح وفي بناء شبكة المنافع القائمة على الثقة وعلى الاطمئنان، ولا يجب في علاقاتنا العربية أن نحمل الجامعة العربية فوق ما تطيق، ويجب أن نحافظ على سقف التوقعات، فالدول العربية تختلف في مصالحها ومتباينة في مواقفها، وعندما نستذكر العاشر من أغسطس عام 1990، في القمة العربية نتوصل إلى حقائق لا يمكن تجاهلها.
نحن نرحب بما تستطيع الدول العربية أن تمنحه لنا أو لغيرنا دون مبالغة، فإذا كان الوضع في عام 1990 أفرز صدمة كبيرة فإن العيب فينا عندما وضعنا ثقتنا في الدبلوماسية العربية كرادع ضد أصحاب النوايا العدوانية، كان يجب أن نقرأ قرار الشيخ عبدالله السالم في الأول من يوليو 1961، ونستذكره فعلاً وقولاً. علينا أن نقوي رسالة الكويت الإنسانية العربية في برامج التنمية في شمال أفريقيا وحوض النيل وبلاد الشام واليمن، ورسالة الكويت ليست سياسية في مضامينها وإنما ترجمة لمشاعر القادر والمتمكن تجاه المستحق، وأود أن أبتعد في رسالة الكويت الإنسانية لتأخذنا إلى أفريقيا وآسيا وإلى كل موقع فيه صرخة صادقة تطلب العون.
خامساً: يقول الأصدقاء في دول التحالف بأننا مستعدون لنحارب مع الكويت من أجل سيادتها واستقلالها ولسنا مستعدين لنحارب عن الكويت، ويعني ذالك أن نبني قوة داخلية فعالة في عددها المحدود بفضل تدريباتها وتكنولوجياتها وروحها المعنوية العالية، ولا نبخل على البناء الذاتي بشيء.
لكن ذلك يحتاج إلى تثقيف دائم بأن الجيش الكويتي هو الطليعة للتعامل مع النار وهو عربة الإطفاء وموقعه في الصدارة، تعززه العربات الأخرى. وهذه النظرية تفرض التزاماً على الكويت ليس فقط في بناء القوة وإنما في التدريبات مع الحلفاء وفي الانسجام في مصادر السلاح وفي تبني العقيدة العسكرية الموحدة في تأمين سلامة الكويت واستقلالها. هناك ثمن لهذا المبدأ، ليس فقط في أبعاده العسكرية والمادية، وإنما في مضمونه الشعبي الذي يجب أن يتناغم مع هذا المنطلق.
سادساً: تحتل الكويت، منذ استقلالها، منزلة عالية في النادي الدولي بين أعضاء الأسرة العالمية، تتمتع بالاحترام وبالمصداقية، ويعود ذلك إلى وضوح مواقفها وابتعادها - قدر الممكن- عن الازدواجية وعن التعارض في المواقف، فهي وفية للالتزامات في حقوق الإنسان وفي ممارسة الحرية والشفافية واحترام المبادئ التي يجسدها الميثاق، والوفاء للشرعية الدولية وتنفيذ متطلباتها.
فالدور الذي قامت به الأمم المتحدة في تحرير الكويت غير مسبوق ليس في تحرير الكويت فقط، وإنما أيضاً في معالجة جذور المشكلة برمتها وبكل جوانبها، في الحدود وفي التعويضات وفي إعادة المسروقات وفي إنهاء أسلحة الدمار الشامل التي يملكها نظام صدام. وفوق ذلك لابد أن تتواجد الكويت داخل المؤسسات المالية والاقتصادية والتنموية والإنسانية الدولية، التي تعنى بتخفيف معاناة الشعوب المحتاجة، وأن تعطي إلى المنظمات العاملة في حقوق الإنسان وفي الهيئات المختصة مثل اليونيسيف وغيرها، فمثل هذا التوجه يعطي الكويت مكانة مميزة في صفوف النخبة العالمية.
سابعاً: علينا أن نعترف بأن ثقة الحلفاء أمر مهم والاحتفاظ بهذه الثقة له ثمن لا بد أن نقبله، خاصة وأن ذلك يتقاطع مع سياسة الكويت المعتمدة منذ الاستقلال. نحن ضد الإرهاب ومع الحملة العالمية ضده، ونحن ضد أسلحة الدمار ومع إخلاء العالم وبالذات الشرق الأوسط والخليج من أسلحة الدمار الشامل، ونحن مع الديمقراطية والشفافية ومع التوجه العالمي نحو العولمة والترابط الأمني العالمي.
ومع النضج والدبلوماسية المسؤولة والتعقل في شؤون النفط ومع منظمة التجارة العالمية في قواعدها، فرصيد الكويت الإنساني والتراثي وكل ما تفعله يتطابق مع قواعد السلوك الدولي، فلا يخرج منها التوتر ولا تصدر الأيديولوجيات الهدامة، وكل ما في صورتها هو حسن السلوك الذي نحرص عليه جميعاً.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com