لا نستطيع أن نبتعد عن قصف المدافع ورؤية أشلاء أطفال قانا تتطاير، أو بالأحرى تطمر وسط كم هائل من الطابوق والأسمنت المسلح والأتربة، فمناظرهم المأساوية تلاحقنا حتى ونحن بعيدون عن أرض الوطن، عبر الفضائيات التي باتت تنقل الأمور حية لتراجيديا انسانية تتشكل على أرض الواقع لتزيد من حقنا.

وغضبنا واصرارنا ـ وما أعجب أن يخصص محفل دولي ـ في ظل هذه الأوضاع الإنسانية البائسة ـ اختتام جلساته لكيل المديح لإيرينا ساندلر ولا يلتفت إلى أطفال لبنان الذين تفتك بهم الطائرات الإسرائيلية فتقطعهم إرباً أو تحولهم إلى معاقين ليعيشوا طوال حياتهم عالة على المجتمع!!

أما المحفل الدولي فهو المؤتمر الخمسون للاتحاد العالمي للعاملين في حقل الخدمةالاجتماعية.. وقد بدأ هذا الاتحاد عمله في أعقاب الحرب العالمية الثانية في مدينة ميونيخ الألمانية في العام 1956، ويأتي هذا المؤتمر للاحتفال بمرور نصف قرن على انشائه، في ظروف مختلفة عن تلك التي انشئ فيها لأول مرة، اما ارينا ساندلر التي خصص لها المؤتمر اكثر من ساعة في افتتاح اعماله والتي استمرت نحو ثلاث ساعات.

فهي يهودية بولندية انقذت مجموعة كبيرة من الاطفال اليهود البولنديين اثناء الاحتلال النازي لبولندا في الحرب العالمية الثانية، وقد اعطت تلك السيدة (وهي لاتزال على قيد الحياة، وعمرها 96 سنة وتعيش في وطنها بولندا) لهؤلاء الأطفال هويات مزورة، وحينما وضعت الحرب اوزارها تم التعرف على هؤلاء الأطفال ونسبوا الى عائلاتهم الأصلية.

وقد احتفل بها المؤتمر كنموذج للعاملين في حقل الخدمة الاجتماعية. والاعتراض ليس على ما قامت به، بل على أن المؤتمرات العلمية تأخذ طابعاً سياسياً في كثير من الأحيان، وبالذات تلك المتعلقة منها بمجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهنا لابد من الإشارة إلى غياب التواجد العربي التام عن مثل هذه الملتقيات فمن بين 1500 شخص حضروا ذلك اللقاء وينتمون إلى ثمانين دولة، كنا أنا وأحد الزملاء ـ وهو أيضاً من دولة الكويت ـ الوحيدين من العرب في ذلك المؤتمر!! وكانت بعض الوفود، كوفد الولايات المتحدة واليابان، كبيرة يفوق عدد أعضاء الواحد منها مئة شخص!

ولا شك أن غياب التواجد

العربي في المحافل الدولية العالمية، يضعف بل يغيث الصوت العربي المعبّر عن المآسي التي نعيشها، وبالذات المأساة الماثلة أمامنا حالياً في لبنان.

وميونخ ـ المدينة التي يعقد المؤتمر فيها هي عاصمة بافاريا وهي واحدة من 16 محافظة تتكون منها ألمانيا ذات النظام الفيدرالي، حيث توجد بهذه المحافظة حكومة ومجلس تشريعي وبلدي وغيره من مؤسسات الدولة. ولعل النظام الاتحادي لدولة ألمانيا الذي يعمل بشكل جيد يكون مثالاً لبعض دولنا ذات التركيبات الاثنية والدينية المتنوعة. فلا أحد يحسب أن بافاريا مستقلة في شؤونها، بيد أنها في واقع الأمر مستقلة ولها الكثير من القوانين الخاصة بها.

وما يلفت نظرك في هذه المدينة والمدن الألمانية الأخرى بالطبع، الاهتمام الزائد بالمحافظة على البيئة ونقاء الهواء، إذ لا تسمح أنظمة المرور للمركبات الملوثة بالحركة، وتلزمها وضع عوادم خاصة لهذا الغرض. وهناك التزام بمظهر المدينة والانسجام في نظام البناء والمحافظة على المباني القديمة والتاريخية.

وقد دمر قصف الحلفاء معظم المدينة، إلا أن شعبها أعاد بناء تلك المباني بأشكالها الأصلية نفسها، وبمواد البناء الجيدة ذاتها، ولو كنت رئيساً للمجلس البلدي في الكويت، أو لأي مجلس بلدي في الوطن العربي لفرضت على أعضاء ذلك المجلس زيارة هذه المدينة ـ ميونخ ـ والتعرف على أنظمتها البلدية.

وفي مدينة ميونخ كثير من الآثار التاريخية، مثل الكنائس القديمة والقصور الملكية والمتاحف، ويعيش في كنفها الكثير من العرب والأتراك والإيرانيين، ويؤمها عدد كبير من العرب كسائحين وبالذات من دول الخليج العربي، بيد أنك لن تلحظ أياً من هؤلاء في هذه الأماكن، التي تكون مليئة بالسائحين الأجانب من كل حدب وصوب. إن جل ما يقوم به السائحون العرب وبالذات النساء منهم، هو التسوق وكأن أسواقنا خالية من البضائع.

يبقى حضور المؤتمرات العلمية والاستفادة من أجوائها العلمية والسياسية وإقامة العلاقات مع زملاء المهنة والمنظمات او الجامعات التي يمثلونها على درجة كبيرة من الأهمية لتطوير مؤسساتنا ولتطوير قدراتنا الذاتية.

وغياب التواجد العربي مسألة لابد من حلها، بالذات بالنسبة لدول الخليج العربي التي تمتلك الإمكانيات المادية والتي تستطيع الاستفادة من تواجد أبنائها لنقل صورة عن واقعها المحلي والعربي لقطاع مهم من الرأي العام العالمي.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com