لن تترك إسرائيل لبنان إلا وقد صار دماراً وخراباً. ولن يتوقف عدوانها البشع ـ في ظل التواطؤ الأميركي والعجز الدولي الذي كشف عنه موقف مجلس الأمن الدولي من مذبحة قانا ـ إلا إذا حققت مآربها ومخططاتها في المنطقة.
لا تريد الدولة العبرية أن تقوم لدولة لبنان الشقيق قائمة. تريد تجريده من سيادته وتركيعه وتحويله إلى كيان سياسي هزيل كجزء من مخططها الأكبر أو مشروعها الصهيوني القائم على بسط نفوذها وسيطرتها الكاملة على المنطقة العربية. هذا المخطط الذي يتكشف من بين سطور التصريحات والبيانات الإسرائيلية، أفصحت عنه الولايات المتحدة صراحة، وسبقت حكومة ايهود اولمرت العدوانية في الكشف عنه بشكل مباشر.
بشرتنا به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بكل وضوح ودون لف أو دوران، عندما وصفت العدوان الإسرائيلي على لبنان، أو بالأصح التدمير والقتل والتخريب في ذلك البلد العربي المنكوب، بأنه مخاض الشرق الأوسط الجديد! هل هناك من يشك في أن هذا المولود المنتظر الذي تريده أميركا هو نفسه المشروع الصهيوني العتيق الذي تبنته حكومات الدولة العبرية المتعاقبة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948؟!
إن الولايات المتحدة تريد أن تفرد إسرائيل أجنحتها على أرجاء المنطقة، ولذلك لم تقبل واشنطن حتى كتابة هذه السطور أي وقف فوري لإطلاق النار حتى تحقق الدولة العبرية ما يرضيهما معا. بل اعتبرت أن وقف القتال ليس مطروحا في المرحلة الراهنة.
وما هدنة الـ 48 ساعة التي أعلنتها إسرائيل في بداية هذا الأسبوع لإخلاء الجنوب اللبناني وتفريغه من سكانه، إلا وسيلة من وسائل العدوان لتسهيل تمرير المشروع الإسرائيلي ـ الأميركي. أرادت إسرائيل أن تتاح لها الفرصة كاملة لإبادة سكان الجنوب اللبناني، وتمهيد الأرض لمنطقة عازلة بحيث يصبح الجنوب منزوع السلاح أو المقاومة.
وهذا ما اعترف به وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيريتس بشكل آخر، إذ قال ان ما يجري الآن - منذ ليلة أول أمس - هو تمهيد الأرض لنشر قوة دولية وان الأيام المقبلة ستكون حاسمة. وبالفعل يسعى العدوان الإسرائيلي إلى نشر الدمار في أرجاء الجنوب باتباع سياسة الأرض المحروقة.
بحيث لا يكون للبنان سيادة على أرضه إلا فيما وراء نهر الليطاني. إنها في سبيل ذلك لا تسعى إلى إبادة المقاومة اللبنانية الباسلة فحسب، بل إبادة الحياة في الجنوب أو أي منطقة لبنانية تشتم منها رائحة المقاومة. وكان من نتيجة هذا المخطط من بداياته حتى الآن، تشريد ما يقرب من مليون لبناني، في خطوة تستهدف «إعادة لبنان إلى الوراء لنصف قرن»، حسبما صرح قادة العدوان في البداية.
إن هذا المخطط تشارك فيه الولايات المتحدة بل وتتحمس له، لأنه في صلب استراتيجيتها في المنطقة. وكانت واشنطن تنتظر الوقت المناسب لتفجير الموقف بواسطة إسرائيل حتى يتم تمرير مشروعها الشرق أوسطي الجديد. وفي النهاية وجدت إسرائيل- ومعها بالطبع الولايات المتحدة ـ الذريعة وهي قيام المقاومة اللبنانية بأسر جنديين إسرائيليين «وهو بالفعل أسر وليس اختطافاً، لأن إسرائيل مازالت تحتل أرضاً هي مزارع شبعا والتلال المحيطة بها، ومن حق لبنان أن يقاوم من يحتل أرضه طبقاً للقوانين والمواثيق الشرعية».
وأمام بشاعة العدوان، أيقن العالم ـ العاجز عن ردع إسرائيل ـ أن ما تفعله الدولة العبرية في لبنان، لا يمكن أن تكون ذريعته أو مبرره هو أسر الجنديين.
إن منطقتنا العربية تعيش مرحلة خطيرة تهدد كيانها ومستقبلها، وبدون موقف عربي موحد لمواجهة المخاطر التي نواجهها، فالعواقب ستكون وخيمة على الجميع وليس لبنان وحده.