وكأن شيئا لم يحدث في قانا ، خذل العالم كله الشعب اللبناني وكل شهداء قانا واستمرت آلة الحرب الإسرائيلية في الدوران في عدوانها الوحشي ، وضاعت مشاعر التنديد والأسف والحزن والصدمة في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ووزارات الخارجية والقنوات الفضائية.
لم يستفد الشعب اللبناني شيئا من الحزن والأسف ، وها هو العالم يترك إسرائيل والولايات المتحدة تستمران في إنتاج مصنع الأكاذيب الهادف إلى استمرار الحرب وتدمير المزيد من لبنان. يتحدث مندوب إسرائيل في مجلس الأمن بكل وقاحة ، ويتهم حزب الله بأنه يطلق الصواريخ من البيوت وإنه يتعمد إبقاء المدنيين فيها حتى تحدث المجزرة ويجبر مجلس الأمن على وقف إطلاق النار .
ويقول ممثل دولة الاحتلال والإجرام موجها حديثه إلى مندوبي فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وغيرهم من أعضاء المجلس ممن يسمون أنفسهم دول كبرى أنهم يجب ألا يسمحوا لحزب الله بأن يحولهم إلى دمية. هكذا هو احترام دولة الإجرام الصهيوني للقانون الدولي ، والأسوأ من ذلك أن أحدا من المجتمع الدولي لا يفتح فمه ويطلب منه أن يسكت.
وفي الإعلام الأميركي تقول شبكة فوكس نيوز بأن حزب الله قد يكون دمر البناية عمدا لاتهام إسرائيل ، بالرغم من أن الجيش الإسرائيلي نفسه يعترف بضرب البناية. ومن جهة أخرى يشير ما يسمى التحقيق الإسرائيلي الذي بدأ أول أمس يفيد بأن الجيش قد لا يكون ملوما لأنه أطلق القذيفة في الساعة الواحدة صباحا ومرت بعض الساعات قبل أن تنهار البناية وكان يمكن للمدنيين الخروج منها.
كما تركز آلة الأكاذيب نفسها على أن الجيش طلب من سكان جنوب لبنان مغادرة بيوتهم وأرضهم ومن بقي فيها يستحق الموت. هذه هي فلسفة الإجرام الإسرائيلية التي تجد الكثيرين ممن يؤيدونها. وفي هذا السياق يمكن بالطبع للمسلمين وتنظيم القاعدة الإدعاء بأنهم ليسوا مسؤولين عن مقتل المدنيين في تفجيرات نيويورك لأن البرجين انهارا بعد فترة من اصطدام الطائرة .
فلماذا لم يخرج الناس بسرعة ، ولماذا كانوا موجودين أصلا وهم يعرفون أن تنظيم القاعدة يستهدف الولايات المتحدة في أي مكان وزمان؟ منطق غبي ويعكس عقلية إجرامية غير معقولة.
نبحث عن بعض الأشخاص في إسرائيل ممن يرفضون الحرب لنحس بأن هناك ضميرا لا يزال حيا هناك ، ولا نجد إلا 200 شخص تظاهروا ضد الحرب في تل أبيب. نجد مقالا أو اثنين وهما لأوري أفنيري وعكيفا إلدار ولا ثالث لهما يدينان المجزرة ، وكل المقالات الأخرى وكل التعليقات في الصحف والمنتديات ووسائل الإعلام تطالب الجيش باستمرار الحرب وتنتقد ضعفه في عدم تحقيق مسح كامل للقرى اللبنانية وتتهم حزب الله بالمسؤولية وأن لبنان كله يستحق الدمار لأن فيه حزب الله.
وهذا ما يعكس مجتمعا مريضا بالحقد والكراهية وجنون القوة. الأمم المتحدة تعاني من شلل كامل في المصداقية الأخلاقية ، وليس من قبيل المبالغة أن يطالب البعض بتحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة مستقلة بالإغاثة والتنمية وحقوق المرأة وأن تخرج تماما من أطر السياسة حتى لا تعطي بضعفها غطاء للحاكم السياسي الحقيقي لها وهو الولايات المتحدة التي تلغي كل تأثير الأمم المتحدة بحق الفيتو وتعطي لإسرائيل كل الدعم لممارسة القتل.
العدوان الإسرائيلي مستمر ولا أمل على المدى القريب بوقف إطلاق النار ، فمن الواضح أن الهدف الإسرائيلي أصبح احتلال الأرض اللبنانية بعمق يتراوح من 10 - 30 كم حسب قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق اختراق وحسب قدرة حزب الله على الدفاع قبل أن تنتهي قدرة الولايات المتحدة السياسية على توفير الوقت لإسرائيل.
ولكن المشكلة أنه لا يوجد مجال للتفاؤل في تحقيق أي تقدم في أروقة مجلس الأمن ويبقى الأمل الوحيد لانتصار الضمير الإنساني هو فقط في قدرة حزب الله على وقف وتحجيم العدوان الإسرائيلي وكسر إرادة العدوان وتقوية إرادة المقاومة.