ثمة دليل آخر على أن حرب العدوان التي تشنها دولة العدوان الصهيوني ضد لبنان الشقيق ليست ردة فعل على أسر الجنديين الإسرائيليين. فخلال الأسبوع الأول من هذه الحرب القذرة انعقد في مدينة بيونس آيريس المؤتمر اليهودي العالمي. وهو يعقد في هذه العاصمة الأرجنتينية لأول مرة. وقيل بأنه مكرس للذكرى الثانية عشرة لتفجير المركز الثقافي اليهودي في بيونس آيريس.

وأعاد الإعلام الصهيوني إلى أذهان العالم من هناك أنه قد قتل في هذا الحادث 85 شخصا وجرح أكثر من ثلاثمئة، وأن المنفذ المباشر لتلك العملية، الذي جلس في 18 يوليو خلف مقعد السيارة المحملة بشحنة كبيرة من المتفجرات مندفعا بها نحو المركز كان المواطن اللبناني البالغ من العمر 21 عاماً، المقيم في لبنان والعضو في حزب الله إبراهيم حسين.. كما يذكّر بأن السلطات الأرجنتينية قد أعلنت هذا اليوم يوم حداد.

ترى هل من قبيل الصدفة أن ينعقد هذا المؤتمر في هذا المكان وفي الوقت الذي تنصب حمم الصواريخ والبوارج والطائرات الحربية والمدفعية الإسرائيلية على كل الأراضي اللبنانية والشعب اللبناني في حرب تدعي إسرائيل أنها ضد حزب الله؟

بقية المؤتمر المعد له سلفاً قبل أسابيع وربما أشهر تتحدث عن الغرض الحقيقي من توقيته في الزمان والمكان. فمن هناك اتهم الأمين العام للمؤتمر اليهودي العالمي ستيفين هيربيتس في لقائه مع الصحافيين الأجانب المعتمدين في بيونس آيريس المجتمع الدولي بعدم قدرته على مناهضة الإرهاب والبرنامج النووي الإيراني. وقال أيضاً إن «إسرائيل لا تستطيع التروي أكثر مما فعلت.

نحن لا نستطيع انتظار ما سيتخذه المجتمع الدولي من إجراءات، حيث ان وجودنا ذاته أصبح في خطر». وتباكى المؤتمر بأن أسر الجنديين الإسرائيليين وإطلاق الصواريخ على «الأراضي الإسرائيلية» هو بفعل ـ من للعجب؟ ـ «القوى العالمية العظمى التي لا تفعل شيئا سوى النظر في الخطوات التي يمكن اتخاذها بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني وليس أكثر».

ولكي يختبر المؤتمر اليهودي العالمي «ضمير» من يتهمهم ولا يعبأ بهم ـ الدول الكبرى والمجتمع الدولي - تجاه إسرائيل المعتدى عليها دائما! يقول ستيفين هيربيتس: «الأحداث الجارية في لبنان الآن ربما ستجبر قادة الدول الكبرى على التمعن فيما إذا كانوا قادرين أو غير قادرين على مواجهة الإرهاب».

حرب إجرامية مع سبق الإصرار معد ومخطط لها بكل تفاصيلها في تل أبيب وواشنطن وربما عواصم قريبة وبعيدة أخرى قد تحترق أصابعها و«ما بعد أصابعها» في هذه الحرب. لكنها حرب ليست كالحروب.

نعم، يبدو الأمر وكأن جيشاً رسمياً حرك كل آلته العسكرية جواً وبحراً وبراً ضد دولة أخرى، ودمر فيها أبنية ومشاريع اقتصادية وخدمية وبنى تحتية وقتل وجرح المئات كما خسر هو قتلى وجرحى وفقد بعضا من أسلحته المتقدمة. على الطرف الآخر جيش لبنان الرسمي ليس طرفاً رسمياً في الحرب.

وتدعي إسرائيل أن الطرف الآخر في هذه الحرب هو حزب الله، بينما هي في الواقع أمام شبح حزب الله بعد أن «ذاب» الحزب في الأحياء السكنية في الجنوب وضواحي بيروت بمجرد دخول القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية، مكبداً إياها خسائر فادحة.

واقع الأمر أنها تحصد أرواح المدنيين وممتلكاتهم محملة إياهم «جريمة احتضان» حزب الله كما حملت الحكومة اللبنانية مسؤولية أسر الجنديين. والحال هذه، يرى خبراء مجلة «إكسبرت» المتخصصة أننا أمام حرب «لا تنتصر فيها الجيوش». ويرى بعض المعلقين على هذه الحرب بأنها ستطول كثيرا وستنهك إسرائيل.

وحتى لو دمر لبنان بنتيجتها فسيتعين البحث عن النصر ليس في لبنان، بل داخل بنية إسرائيل الهشة حيث ستفعل آثار الحرب فعلها في الدولة والمجتمع.

وسيكون من مصلحة إسرائيل أن يتورط حلفاؤها في الحرب. الأميركيون أنفسهم استطاعوا تحطيم الجيش العراقي بواسطة حرب تقليدية، لكنهم عوضا عن النصر وجدوا أنفسهم في الجحيم العراقي الحالي.

من الناحية الأيديولوجية يتطلب تمرير مشروع الأيديولوجيتين المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة والصهيونية ترسيخ دول في المنطقة بلا نظم تحصينية، هلامية في تكيفها مع الظروف الداخلية والدولية. وهذا شكل جديد من أشكال الدولة، حيث تؤدي قسما فقط من وظائفها، بينما تسقط من حساباتها المكون الأيديولوجي الذي تتسم به أية دولة بالفهم الغربي.

لبنان والعراق نموذجان لهذه الدولة، ويراد للدولة الفلسطينية أن تأخذ ذات المنحى، الدولة التي لا تحمل أية أيديولوجية رسمية ـ بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا معها ـ لا تتحمل أية مسؤوليات جدية. وواضح أنه إذا حدث ذلك مع إيران أيضا فسيكتمل تحول المنطقة إلى عامل عدم استقرار ومراكز تصدير للإرهاب لتهز أركان العالم.

وأبعد من ذلك. إذا كان حادث الأرجنتين الذي نسب إلى إبراهيم حسين أو أسر جندي ثم جنديين قد استخدم سببا لبداية حرب شاملة ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، فحري بالعالم أن يتذكر: في مثل هذا الوقت، نهاية يونيو، من عام 1914 في سراييفو إذ أفرغ الشاب الصربي القومي المتعصب غافريليو برينتسيب ذخيرة بندقيته في فرانس فرديناند وزوجته وأرداهما قتيلين. قفز إلى النهر هارباً، وبسرعة تم إيقافه، لكن أحدا لم يوقف مجرى الأحداث التي استغل هذا الحادث كشرارة لها.

بعد شهرين اشتعلت نيران الحرب في أوروبا، حيث تورط فيها أكثر من عشرين بلداً. حصدت الحرب العالمية الأولى أرواح أكثر من عشرة ملايين إنسان ودمرت الحرث والنسل وأطاحت بأربع إمبراطوريات.

وبعد حربين عالميتين وعشرات السنين من الحرب الباردة يرى كثير من المحللين أن عالمنا هش للغاية، وأن هناك من مصادر الشرر في الشرق الأوسط وحول كوريا واليابان وأفغانستان وباكستان وحول بيلاروسيا وبولندا وغيرها من بؤر التوتر في العالم ما يمكن أن يسري في هشيم هذا العالم حريقا لا متناهيا. ويرى ديفيد بوسكو في «لوس أنجلوس تايمز» أن الشرق الأوسط هو المرشح الأكثر لبداية حريق عالمي.

نيوت غينغريغتش، الناطق باسم مجلس ممثلي الولايات قال قريبا «إننا في المراحل الابتدائية نحو ما يمكن أن أسميه بالحرب العالمية الثالثة». وتشير الصحيفة المذكورة إلى تنوع التكهنات حول الحرب العالمية والتي تتقاطع مع ادعاءات النبوة، حتى أن بعض المواقع الالكترونية الدينية أصبحت تتحدث عن قرب موعد الساعة.

لكن الحقيقة هي أن سيناريوهات عدة للحريق العالمي قابلة للتحقق، وأن الشرق الأوسط أكثرها قابلية لأنه يحتوي على النفط كمادة سريعة الاشتعال. ولبنان اليوم ضحية، وربما شرارة هذا الاشتعال.

كاتب بحريني