قدمت الادارة الاميركية دليلا جديدا على أنها هي التي تتولى قيادة العمليات العسكرية الاسرائيلية عندما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية عن موافقة اسرائيل على تعليق الغارات الجوية على الجنوب لمدة 48 ساعة: ترى هل ستعمد واشنطن الى الاعلان فجر غد الاربعاء عن أن هذه المهلة قد انتهت،وستعطي الامر للطيارين الاسرائيليين باستئناف حملتهم الجوية؟

الخطوة الاميركية تعيد الى الاذهان الاتصالات التي كانت واشنطن تقوم بها مع اسرائيل إبان حصار بيروت في العام 1982 من أجل السماح بإدخال بعض المواد الغذائية أو الطبية الى العاصمة اللبنانية أو من أجل توفير المياه لسكانها المحاصرين. أو حتى من أجل إتاحة الفرصة لإخراج بعض العالقين فيها.

لكن هذه المرة يبدو أن واشنطن أرادت أو توحي بأنها حققت إنجازاً دبلوماسياً مهماً، برغم أن مغزاه الفعلي هو إفراغ الجنوب ممن بقي من أهله، فضلاً عن أنه يغطي منطق اسرائيل القائل بأنها أخطأت في الاغارة على ملجأ الاطفال في قانا وطلبت مهلة يومين فقط لإجراء تحقيق في المذبحة المروعة، وإعلان النتائج.

أفسحت اسرائيل المجال للمتحدث الاميركي المرافق للوزيرة رايس أن يعلن عن هذا الانجاز من القدس المحتلة بالتحديد، باعتباره مكافأة اسرائيلية للدبلوماسية الاميركية التي أحرجتها المذبحة الجديدة واضطرتها الى الوقوف في موقف الدفاع أمام شركائها الغربيين وإمام حلفائها العرب. بعدما كانت وقائع الحرب نفسها قد أوصلتها الى طريق مسدود.

لم تبلغ الحرب الاسرائيلية على لبنان ذروتها، لكن الرعاية السياسية الاميركية لمجرياتها تقترب من ذروتها. ما زال بإمكان الاسرائيليين أن يواصلوا الغارات الجوية والبرية لأسابيع وربما لأشهر. لكن لم يعد بإمكان الاميركيين أن يوفروا الغطاء اللازم لها، الذي تحول كما يبدو الى مغامرة خطرة بموقعهم الدولي ودورهم العربي والاسلامي.

قرار تعليق الغارات هو إشارة أولى الى أن واشنطن تكاد تستنفد أغراض الحرب: الرسالة وصلت الى دمشق وطهران، وجرى العمل بمقتضياتها عندما نأت العاصمتان بنفسيهما عن الصراع الذي بات يستدعي التوقف عند هذا الحد، أو الانتقال الى المواجهة المباشرة الاميركية الاسرائيلية السورية الايرانية غير المرغوبة وغير المنشودة من الجانبين، اللذين يعتبران أن لبنان مجال كاف لاختبار موازين القوى وتعديلها.

ماذا بعد تلك الاشارة الاميركية الاولى، التي قد يكون أحد أهدافها الضمنية قياس مدى استعداد حزب الله للتوقف عن إطلاق الصواريخ على شمالي اسرائيل؟ ربما تنتظر واشنطن وتل أبيب من لبنان أن يبادر الى التحرك الداخلي الذي يساهم في تقديم تعهدات صريحة بإزالة أسباب الحرب، والذي ينقل النقاش الخفي حول السلاح في الجنوب ونوعيته واستخدامه الى العلن.

الهدنة الجوية المؤقتة لا تستهدف توفير الممر الآمن للجنوبيين، بل فتح الممر الخطر والاجباري للداخل اللبناني الذي لم يدفع بعد الثمن الفعلي للحرب.